بلمختار والداودي وحزب فرنسا
https://m.al3omk.com/147379.html

بلمختار والداودي وحزب فرنسا

لقد كانت فرنسا واعية تمام الوعي، بأن تحقيق الاستمرارية، في بسط الهيمنة على مستعمراتها القديمة، لا يمر بالضرورة عبر التواجد العسكري، و قد يكون الأمر أقل كلفة و أكثر ربحا، من منظور الاستعمار الثقافي. و ما دامت اللغة هي المدخل الرئيسي في أي استعمار ثقافي بهذا الشكل، فإن الأمر كان يتطلب التفكير في الوسائل اللازمة لفرض اللغة الفرنسية على المستعمرات، إما كلغة أولى (السنغال مثلا)، أو على الأقل كلغة ثانية (نموذج دول شمال إفريقيا ..).

فهل من سياسة لغوية وطنية في قضية التعليم قادرة على مسايرة الوجدان الشعبي والحفاظ على الوحدة الثقافية لوطننا، أم أن هناك سياسات لغوية متعددة بتعدد الهويات المشكلة لدستور بلدنا ؟ولماذا يتهرب كل من الداودي وبلمختار عن الحديث في مسألة اللغة ؟

قد نتفق مبدئيا على أن التعليم قضية وطن وليست حكرا على تنظيم معين أو جهاز إداري كيفما كان نوعه، لكن عندما تحوله آلات الاستعمار الفرنكفوني إلى مخفر لتوليد العاهات اللغوية وتشويه الذات الوطنية فالتعليم هنا يتحول إلى كابوس ثقافي يهدد التنمية، لأن الثقافة بتعبير المفكر المغربي عبد الله العروي هي البنية المشتركة لكل منظومة تعبيرية لغة وسلوكا وخيالا، التي تلخص لنا التجربة التاريخية والحضارية لبلد معين .

فاللغة إذن مرآة الثقافة لكن ماذا يريد بلمختار والداودي من نهجهم الفرنكفوني الضيق إبعاد اللغة العربية في تدبير الشأن التعليمي؟ سؤال بدون جواب لحد الآن ..

حال التعليم بوطننا الحبيب يعاني من الشلل الثقافي الذي أصابه منذ أن سيطر حزب فرنسا على السياسة اللغوية لبلدنا، هذه الحلقة من الصراع بين الذات (الوطن) والآخر (الاستعمار)، توسعت بظهور دعاة الدارجة الذين اتخذوا من الفراغ الدستوري وتراجع الحكومة في تفعيل أكاديمية محمد السادس للغة العربية فرصة للإجهاز على مكتسبات الربيع الديمقراطي في المسألة اللغوية.

وبالرغم من يقظة المجتمع المدني والقوى المدنية الفاعلة وبعض الرموز التقدمية، الذين أطلقوا مبادرة شعبية أسفرت عن إطلاق الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، والذي أعطى فاعلية في المشهد اللغوي وقدم حلول متميزة في مجالات عدة من الطب إلى المعلوميات.. لم تفعل أغلب توصيات الائتلاف بسبب تعنت وزيري التعليم العالي ووزير التربية بلمختار.

بلمختار تلميذ فرنسا هكذا وصفه عبد العالي الودغيري في أحد مقالاته، وصف له من الدلالة ما له خصوصا إذا نطق به عالم كالودغيري، بل أني أزيد على ذلك بالقول أن بلمختار عبيد فرنسا وخادمها بالمجان، للأسف إيديولوجية التبعية تسري في عروقه !

أما لحسن الداودي وزير التعليم العليم، مازال يبحث عن العقار لبناء بعض المدرجات، ومن حين إلى حين يطلق حلمه بتحويل الجامعة المغربية إلى قطب عالمي !!، ربما الداودي عمل على إحداث مراكز بحثية كتلك الموجودة في أمريكا تدرس كيفية تحويل الجامعة المغربية إلى قطب عالمي ونحن غافلون عن هذه المراكز، فمن هذا المغفل الذي سيصدق تراهات هذا الوزير، الذي غالبا ما يرفع أنفه مغرورا بانجازاته العجيبة، ومقله في هذا كمثل الغراب الذي أراد تقليد مشية الحمامة، فلا هو حافظ على مشيته ولا هو هو عرف تقليد الحمامة، فضيع المشيتين مع الأسف الشديد…

وليس من الموضوعية بمكان إلقاء اللوم على الوزيران المغلوبان على أمرهما، ففرنسا تمكنت من الجمع ما بين الانسحاب الشكلي والإبقاء على مصالحها الاستراتيجية في المغرب، وذلك بالاعتماد على خدامها الأوفياء من المستعمرين (بفتح الميم) وعلى رأسهم بلمختار والداودي الذين يحملون راية الفرانكفونية عاليا. ومن بين هؤلاء جزء كبير من النخبة السياسية الحاكمة، و كذلك من النخبة الثقافية التي دافعت عن مصالح فرنسا في البلد بادعاء الدفاع عن قيم الحداثة التي لا يمكنها إلا أن تساهم في رقي المجتمع !! يا للغرابة وكيف لا تتجسد إلا عبر اللغة الفرنسية وباقي اللغات لا تصلح إلا للتأنيس للأسف الشديد…

للإشارة فقط وليس للتعريف، بمختار الوزير حاصل على دبلوم المدرسة الوطنية العليا للمهندسين الجويين بباريس وعضو مؤسس لشركة بيجيم، سبق له أن شغل منصب وزير التربية الوطنية بالمملكة المغربية (1995ـ1998)، أكيد أنه سعيد بخدمته للبلد الذي درس فيه لكن لا أطن أنه سيكون سعيد في باقي أيامه وهو الذي أطلق خطته لاستعادة المد الفرنسي في الباكولوريا المغربية وذلك بإطلاقه للباكالوريا الفرنسية! ..

وسبق أن خاطب المفكر المغربي المقرئ أبوزيد بلمختار قائلا “أشعر وكأننا في مشهد جنائزي لتوديع العربية وتوديع مقومات الهوية..” صدق أبوزيد لأن المعركة الهوياتية إذا خسرناها خسرنا التنمية، الهوية هي الموجه والمحرك الأساسي للتطور البشري واللغة روحها.. ونحن بدورنا نتساءل عن الخطوات البئيسة لهذا الوزير بالقول: هل الحزب الحقيقي الذي يحكم المغرب هو حزب فرنسا، وأنت أحد أعمدته في هذا الوطن منذ 30 سنة؟!..

سياسة الوزارة إجرامية باعتبارها تقتل روح الوطن فالرجل الذي يديرها معروف بتوجهه الواضح وانغماسه في لذة العِشق الفرنكفوني حتى الثّمالة، وهو من التلامذة النجباء في مدرسة التلهيج وخير ممثل لها في الحكومة الحالية.

فظرفية الأزمتين التعليمية والمالية ومسلسل الإجهاز على بقايا الربيع العربي أربكت خطوط المقاومة فسارع حزب نابليون إلى دعم قواعده وسفراءه داخل المؤسسات وخارجها ونحن نرى كيف تحول المجلس الوطني لحقوق الإنسان، من مؤسسة حقوقية إلى مؤسسة فقهية تنتج فتوى العهر الفكري، وكيف يحاصر الحقوقيون (معانات المعطي منجب مثلا)..

ويبقى أبناء هذا الوطن المقهور ضحايا لسياسات تعليم فاشل، أفقدتهم هذه البرامج البئيسة عذريتهم الثقافية في زمن الخضوع السياسي لمقولات التغيير في ظل الاستقرار التي مزقت آمال الانتفاضة التحررية في وطننا ..

اليوم نحن في صراع دائم مع المستعمر وصدق العروي في طرحه للسؤال المشكل للواقع: سؤال ما الحدث في كتابه “ثقافتنا في ضوء التاريخ ” وأجاب ببرودته المعهودة الحدث عندنا هو الاستعمار فلا تطور ولا تقدم في ظله، إذن اليوم التحرر من الاستعمار الإديولوجي والثقافي فرض عين بلغة الفقهاء وواجب وطني بلغة القانون وحتمية تاريخية بلغة الثوري .

ماذا يريد بلمختار وأمثاله؟ الجواب سهل، فقط عليك أن ترسل أبناءك إلى التعليم الخصوص وتعلمهم اللغة منذ نعومة أظافره والأهم أن تبتعد عن العربية فهي تزعج سعادة مولاي الوزير الغزال حيث كاوري مع راسو !!!

بلمختار ببساطة يريد تمرير خطة قرأنا ملامحها في تصريحات عيوش وتوصيات ندوة جمعيته التي أفصح فيها عن مخطط من ثلاثة أضلاع : تلهيج التعليم الابتدائي، والحد من المدارس القرآنية والتراجع عن تعريب المواد العلمية. وكل ذلك يصب في نهر واحد وهو تعضيد الزحف الفرنكفوني وتعزيز الحصار المضروب على الثقافة الوطنية.

أما لحسن الداودي وزير التعليم العالي الذي يبدو أنه يعيش أياما عصيبة في فترة تسييره للتعليم العالي بتلقيه حملة فايسبوكية ساخرة تصفه بأفضل وزير عرفته البشرية، فهو لا يقل أهمية في خدمة “ماما فرنسا”، وهو الذي سطع نجمه في السنوات الماضية حين كان يبحث عن مخرج لنفسه وسطَ حملة الاحتجاجات التي اشتدت عليه فقال: نحن نسعى لإحلال الإنجليزية محل الفرنسية في تلقين المواد العلمية، فلا هو وبلمختار وأمثاله الضعفاء أيضا أن يستمتع بهذه الثقة ويأخذ منها الأطنان قدر ما يطيق. ونخاطبهم: على من تضحكون يا مخلصي فرنسا؟

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.