موجات الحراك الديمقراطي..لا تضعوا العربة أمام الحصان
https://m.al3omk.com/147446.html

موجات الحراك الديمقراطي..لا تضعوا العربة أمام الحصان

“الحراك الديمقراطي” مشروع تم إجهاضه.. مولود ولد خداجا.. أفق تم احتوائه.. مؤامرة خارجية.. رهان خاسر.. رومانسية حالمة.. سقف عال.. مشروع غير مكتمل.. هي زفرات مضطهدين، وآهات مقهورين، ظنوا في زحمة الامتداد الثوري، وامتلاء الساحات، وبحة الحناجر بالشعارات، أنهم قد يتحولون من كائنات هلامية، أهانها الاستبداد البغيض، وشوهها الفساد المقيت، إلى كائنات راقية، تتمتع بالكرامة الإنسانية.. لكن قطع يقين “الدولة العميقة”، المدعمة من طرف “الدول الكبرى المارقة”، ظن الشعوب التواقة إلى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

لقد كان محور النضال في “موجة الحراك الأولى”، هو الانتقال من مجرد ربع أو ثلث أو نصف إنسان إلى إنسان كامل، وهذا شعار جامع مشترك ومانع، يراكم فيحشد، يقرر فينفذ، يناضل فينتصر، مثل الماء يمر بين المنافذ والشقوق، في المنخفضات والمرتفعات، من فوق الأرض وتحتها، لا شيء يوقف مده، ولا حواجز تعيق مسيره.. لكن من حرق المراحل، ووضع العربة أمام الحصان؟!
هذا السؤال الإشكالي يروم أن يكشف عن “الوعي الشقي” الذي يسكن قلوبنا وعقولنا، ويفضح “التشوه الايديولوجي” الذي يلبسنا، ويضعنا عرايا أمام “فقرنا المعرفي” الذي ركنا له، وركن لنا، وأقمنا معه قرانا لا تنقطع أواصره، ولا تفتر علاقته..

ففي لحظة الحماسة، ترك الحبل على غاربه، وانطلق “قاموس البلاهة” يعبث في الميادين والساحات، ونزل المتعجلون، كما في “معركة أحد” من أعلى قمة- رفعهم إليها الحراك- إلى الحضيض، يجمعون الحطام، ويتسابقون إلى حد القتال على المكتسبات، ويخرجون من سعة الشعار التحرري الجامع، إلى ضيق الهتاف الايديولوجي المفرق، فتفرقوا شذر مذر، وكانت لحظة فارقة، استغلتها “الدولة العميقة” و”الفلول” فنهضوا من تحت أنقاضهم، ليسدلوا ليلهم القاتم على سماء الوطن، ويعلنوا “زمن النهايات” و”عصر الأفول”.
هذه هي كل الحكاية.. وقد يستخدمها البعض في البحث عمن وضع العربة أمام الحصان، ليدكي نار الصراع الايديولوجي المحموم، وقد يستخدمها البعض ليصفي حسابات طائفية مقيتة، وآخر يوظفها في مسلسل السخرية والعبث، وآخر يرسخ بها مقولات تتحدث عن “العجز والاستعصاء الديمقراطي لأمتنا”، ويتفلسف كثيرا في الإدعاء أننا نمثل حالة اسثتناء تاريخي وجغرافي وثقافي، ليجعل أقصى ما يمكن أن نطالب به هو تحسين ظروف وأشكال العبودية!.. وهكذا تتيه بوصلتنا مرة أخرى..

لكن لهذه الحكاية دروس وعبر، نجملها في:
/ الحراك الديمقراطي هو نتاج تراكم في القهر والتسلط، بلغ مداه، ولم يعد للتحمل مجال، ولا للصبر مساحة.
/ وعي الحراك الديمقراطي احتاج عقودا، ليتبلور وعي تحرري، يتخلص من خوفه النافذ، وزيفه الوافد – من خوف السلطات القمعية، وزيف الايديولوجيات الصراعية-
/ انطلقت الموجة الأولى، وحددت لنفسها شعارات جامعة ومركبة ومشتركة -الحرية، الكرامة والعدالة الاجتماعية- ولم ولن يمكن أن تتسع لأية شعارات ايديولوجية كيفما كانت، وكان يمكن أن يتسع المدى حتى ترسخ هذه الموجة مكتسباتها، عبر “مرحلة انتقالية”، تأخذ الوقت الكافي، ويعطى لها في تجرد الجهد الوافي، حتى تستنفذ أغراضها.. ولكن “قاموس البلاهة دمر كل شيء!
/ الموجة الأولى لا شك أنها تتلوها موجة ثانية، ترسخ “بنيات الوحدة الوطنية” و”مبادئ السلم المدني”، وتبني “أجندات المشروع المجتمعي” المتوافق والمتعاقد عليه، وتصيغ أسس الهوية المركبة الجامعة، التي تزيح عن ساحتها الفكر العدمي والإقصائي والإطلاقي.. لتتلوها موجة ثالثة ورابعة تجيب عن أسئلة التنمية الاقتصادية والتقدم الصناعي والعمران والنهوض الحضاري الشامل.. وهكذا.

لكن غياب الوعي بترتيب موجات الحراك، والاستعجال في الدخول في صراعات حول الهوية والايديولوجية والمشروع المجتمعي، مع استصحاب الأنانيات الحزبية، وإرادات الاستفراد الايديولوجية، والهويات التمامية المفرقة.. حول الحراك إلى احتراق، وأغرق الميادين بالعنف والطائفية والتدخلات الخارجية.
المطلوب الآن والهنا.. أن نكون جميعا قد استوعبنا الدرس جيدا، وتأكدنا من حاجة بعضنا لبعض، باختلافاتنا وتبايناتنا الايديولوجية، ف”العيش معا”، و”العيش سويا”، هو قدرنا، إذا أردنا أن ندفع عنا عناء الاستبداد والفساد الثقيل، ونطهر أوطاننا من العار الأكبر، عار التسلطية والاحتلال والتبعية والمهانة الحضارية الشاملة..

لكن ما ينبغي أن نستحضره جميعا..أن هناك آمالا واسعة كامنة في هذا الأفق المديد، وأن أنوارها –برغم كل ما جرى ويجري- لا تزال تتوهج.. فلا تسقطوا مرة أخرى الغصن الأخضر في أتون المحارق!
فللحراك الديمقراطي موجات.. ولا يمكن الانتقال من موجة إلى أخرى إلا بإستنفاذ أغراض الموجة التي قبلها، وتهييء الأجواء للموجة التالية، وتصفية الموانع والعوائق، ليكون الانتقال في موجاته سلسا ومتينا ومؤسسا، يراكم ولا يصفي، يبني ولا يهدم، يتقدم ولا يتراجع.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.