حول تقييم أداء الحركات الاجتماعية القوية بالمغرب
https://m.al3omk.com/148277.html

حول تقييم أداء الحركات الاجتماعية القوية بالمغرب

غالبا ما يتم النزوع -أثناء الوقوف عند أداء الحركات الاجتماعية- إلى تحليلات غير جادة بالأحرى هي انطباعات ظرفية. فالمتأمل في ما يقوله، مثلا، أبناء الحركة الإسلامية عن أدائها يلحظ نَفَس التشاؤم و علامة الاستياء. بخلاف، ما يذهب إليه جل القادة و المسؤولين من استبشار و تفاؤل و ارتياح. في نفس السياق، طيف واسع من الشباب المتحمس لهويته الأمازيغية يتحدث بعدمية عن غياب الأمازيغية في الحياة العامة، في حين يتفق رواد الحركة الأمازيغية على النجاحات المتعددة (التي تبقى منقوصة) والتي كانت ثمار نضالات عقود من الزمن.

1. أداء الحركة الإسلامية:

لا جدال في أن الحركة الإسلامية، بعد مسيرة عقود من العمل الجاد والدؤوب، نجحت في إزاحة خصومها (الذين كان عملهم سببا مباشرا في نشأتها) من تصدر ميدان المجتمع و ساحات الجماهير؛ خصوصا اليسار الجذري والحركة الماركسية اللينينية. ف”بعض الممارسات المتطرفة و الأقوال اللامسؤولة التي كانت تصدر من بعض المنتمين إلى التيار “المتياسر” من تلامذة و طلاب –وهو تيار انتشر في أعقاب ثورة الطلاب في فرنسا في عام 1968- والتي كانت تهاجم الدين بصورة من الصور، قد أثارت ردود أفعال كان من انتشار التيار المضاد، التيار الإسلامي، في وسط التلاميذ والطلاب والمدرسين.” (المغرب المعاصر: الخصوصية و الهوية.. الحداثة و التنمية، محمد عابد الجابري، الطبعة الأولى 1988، ص:65)

كما أفلحت في إثارة قضية الإسلام واستعادة بعض المظاهر الإسلامية المفقودة. إلى جانب كسب رهان بناء تنظيمات قوية. لكن، هل المطلوب من حركة -هي بمثابة بعثة تجديدية في الأمة- مجرد هذه الأهداف؟
المفروض في الحركة الإسلامية، كحاملة لواء التجديد، أن تصرف جهودها في اتجاهين: أولا: تمكين الشعور بخشية الله جل في علاه ورجاء رضاه لبلوغ المقامات العُلا في الدار الآخرة. فهذه هي الصناعة الثقيلة بحق. ثانيا: تعميق خيار التحرر في الأمة؛ أي تثبيت الانعتاق السياسي و العدل الاجتماعي و الخروج من نفق التأخر التاريخي.

دعونا نتساءل: كيف تعاملت الحركة الإسلامية مع المطلوب منها؟

للإنصاف، تعرضت الحركة الإسلامية -كما تعرض غيرها من الحركات الاجتماعية الاحتجاجية، لكن بحجم أكبر- للحرمان من حقها في المشاركة السياسية. و بالتالي، فإن تعاملها مع قضية “التحرر” في جوانبه السياسية و الاجتماعية على الأقل لم يدُم طويلا، و مازال الوقت مبكرا لتقييم أدائها فيه (للإشارة: بعض خصوم الحركة الإسلامية؛ منهم الأستاذ عبد الإله بلقزيز -في مقال منشور بجريدة وطنية-: سارع بعد مُضي أشهر معدودة ليحكم على الحركة الإسلامية بالفشل بل ب”إفشال” باقي ما أنجزته القوى “التقدمية” في الفترة السابقة !). لكن من المهم التذكير بأن الحركة الإسلامية كانت تغص إلى عهد قريب في الحلم ب”الدولة الإسلامية”؛ و هو حلم صار بلا معنى، سواء لمن تصدى للشأن العام من أبنائها أو بالنسبة للمحللين والمفكرين الذين يرصدون تجربتها. بل صارت هذه الدولة -حسب أحد الباحثين- “دولة مستحيلة”. و على العموم؛ فالحركة الإسلامية تشتغل بجد في مسألة التحرر السياسي -في الآونة الأخيرة- و مازالت الإطارات النظرية المواكبة لتأصيل هذه المسألة مشتغلة. بخلاف مسألة الخروج من التأخر التاريخي أو ما يسمى في أدبيات الحركة بإنتاج “الفعل الحضاري” أو تحقيق “النهضة” فواضح للمتتبع أن الخطاب الإسلامي مازال قاصرا وعائما في تناول هذه المسألة بالجدية اللازمة.

أما بخصوص تقييم أداء الحركة في تثبيت أركان “التقوى” في أوساط الناس. فلا يخفى أن الحركة أفلحت إلى حد كبير في تشييد صرح هذه القيمة في صفوف أبنائها. لكنها مازالت بعيدة جدا عن هدف التمكين ل”التقوى” في صفوف الناس.

2. أداء الحركة الأمازيغية:

الحركة الأمازيغية حركة وطنية كبيرة قامت برسالة ثقافية معتبرة في تاريخ المغرب المعاصر. هي الحركة التي ورثت حركة اليسار و بالخصوص الحركة الاتحادية (على الرغم من طابعها السياسي) في منافسة الحركة الإسلامية على النفاذ إلى الجماهير الشعبية. تعتبر الجمعية المغربية للبحث و التبادل الثقافي (التي تأسست بتاريخ 10 نونبر 1967 بالرباط) أول نواة قوية للحركة. وضعت الجمعية المذكورة منذ ذلك التاريخ نُصب عينيها الأهداف التالية:

– تعميق الوعي بالذات الأمازيغية لدى كافة المغاربة.

– تحقيق و ترسيخ المنظور الوحدوي للأمازيغية.

– دسترة و ترسيم الأمازيغية.

– تحديث الثقافة الأمازيغية.

– تعميم وتعليم الأمازيغية الموحدة في جميع أسلاك التعليم ومؤسسات تكوين الأطر.

– تطوير و تعميم الإعلام السمعي البصري الوطني العمومي بالأمازيغية.

– اعتماد الأمازيغية في التوعية الدينية، خطب الجمعة، القضاء، و كافة المرافق العمومية. (40 سنة من النضال الأمازيغي، منشورات الجمعية المغربية للبحث و التبادل الثقافي، الطبعة الأولى 2007، ص: 15).

واضح أن الحركة الأمازيغية (سواء بفضل المجهودات الجبارة للجمعية المغربية للبحث و التبادل الثقافي أو بنضالات أطراف جمعوية أو فردية ظهرت في الساحة لاحقا) نجح أداؤها في الدفع بعجلة الأهداف الموضوعة منذ اليوم الأول إلى الأمام. فلا شك أن قطاعات واسعة من الشباب الجامعي تم تعميق وعيها بالذات الأمازيغية. كما أن الثقافة الأمازيغية تعرضت لعمليات جادة للتحديث و العصرنة، وكانت أهم خطوة في ذلك عملية جمع وتدوين التراث الشفوي والانتقال بالشعر الأمازيغي إلى مستوى العصر سواء من حيث الأغراض أو الأسلوب (مع الشاعر محمد مستاوي). بالإضافة إلى ذلك تم تطوير الفن الأمازيغي و خصوصا في شقه الموسيقي؛ و لا أدل على ذلك من الواقع الذي يرصد ذيوع الصيت الذي يلقاه هذا المنتوج الفني الأمازيغي (منذ “أوسمان”، و “إزنزارن”..) في أوساط الناس. وتم تتويج هذا المسار النضالي بالنجاح في توفير حماية دستورية للأمازيغية بترسيمها في 2011.

بخصوص هدف “تحقيق وترسيخ المنظور الوحدوي للأمازيغية”؛ الأكيد أن الجمعية التي وضعت هذا الهدف ما فتئت تدافع عنه في شتى المعارك الثقافية واللغوية بالخصوص. غير أن الواقع يؤكد أنه، إلى اليوم، مازال مشكل المعيرة حاضرا ومازال اتجاه “اللهجات” مستمرا و أمامنا القناة الأمازيغية الثامنة مثال صارخ لذلك؛ نشراتها الإخبارية يتعذر و يصعب على الأمازيغ المنحدرين من سوس -مثلا- متابعتها بسبب هيمنة “لهجة” معينة على النشرات. فلو كانت هناك لغة موحدة لما كانت الصعوبة بهذه الدرجة لأن اللغة الموحدة قاموسها يغرف من كل اللهجات. بخصوص تعميم تعليم الأمازيغية؛ هذه المسألة تعاني تعثرا لافتا لكن المسؤولية تتحملها الجهات التي تقف على أجرأة البرامج (وزارة التعليم، المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وما يدور في فلك السلطة) وليس الحركة الأمازيغية.
ثمة منجز مهم ساهمت الحركة الأمازيغية في تحقيقه بشكل كبير يتعلق الأمر بإمداد الساحة الفكرية المغربية بجرعات من النسبية و القبول بالرأي الآخر و إيجاد مساحة للاختلاف و الانتفاض ضد الإطلاقية والدوغمائية والتشبع بثقافة التساؤل وكسر الطابوهات..

لكن، أمام هذا الأداء المتميز للحركة الأمازيغية الذي يتجسد في الوفاء للأهداف المرسومة و تحقيقها بنَفَس تراكمي. ثمة قضية تطفو على السطح بقوة خصوصا مع بداية الألفية الثالثة، وهو الخطر الذي يتهدد الأمازيغية المُتَمثل في الانقراض على المستوى الشفهي. هذه المرة، الخطر يأتي من ضرة حقيقية هي “الدارجة المغربية” التي يراد تدرسيها من طرف بعض الجهات! (و ليست الضرة هي اللغة العربية كما يتوهم بعض المنتسبين إلى الحركة الأمازيغية) والتي طالما تفاخر المناضلون الأمازيغيون من جيل التأسيس بكونها أمازيغية القالب. والمثير للتساؤل حقا هو وجود بعض المناضلين في الحركة الأمازيغية يستسهلون هذه القضية و يُرَبُون أبناءهم على الحديث بلغة أجنبية (الفرنسية) أو الدارجة فيفقدون لغة أمهم التي من الصعب أن يتداركوا تعلم الحديث بها إن أخطأو الموعد معها في الصغر والطفولة، بخلاف الدارجة أو اللغات الأخرى التي تُتعلم عاجلا أو آجلا. وقد سبق للناشطة الأمازيغية مريم الدمناتي أن أشارت إلى خطر الموت البطيء على مستوى التداول الإجتماعي في ندوة وطنية حول الأمازيغية في أبريل 2015 بالمكتبة الوطنية بالرباط. و الخطير في هذا هو أن كل المكاسب التي أنجزت طيلة عقود لصالح الأمازيغية في الميادين الفنية والأدبية والحقوقية والإعلامية في طريقها لأن تذهب هدرا! لأن الناس إذا فقدوا القدرة على التواصل بالأمازيغية لن يحسوا بجمالية المنتوج الأدبي و الفني الأمازيغي، وبالتالي لن يشجعوه مما يهدده بالفناء. فإعداد الإنسان الذي يحمل اللغة هو أهم حلقة في النضال من أجل قضية اللغة؛ فإذا فُقد هذا الإنسان لن يعود الحديث عن اللغة و لا تمجيدها و لا توفير كلمات في حقها في ديباجة الدستور شيئا ذا بال.

إن تقييم أداء الحركتين الاجتماعيتين القويتين اللتين تستأثران باهتمام المنخرطين في العمل الثقافي و السياسي المغربي يروم أساسا تسليط الدور على حلقة مفقودة في التحليل المُقدم لهذا الأداء. تتجسد هذه الحلقة في نسيان المهمة الأصيلة التي تشكل مبرر وجود هذه الحركات مع توالي السنين بفعل الانخراط في معارك يفرضها التاريخ بالإضافة إلى المراجعات الفكرية التي تستهدف تسديد وتجويد عمل هذه الحركات.

فإذا كانت الحركة الإسلامية قد قامت أساسا لإعادة الاعتبار للإسلام في الحياة، فإن هذه الرسالة تقتضي العمل بشكل فعال من أجل تربية الفرد المشبع بمعاني “التقوى”؛ ولا ينبغي أن تنسيها القضايا الراهنة التي تعمل لها (أي قضية التحرر السياسي) هذه المهمة الأصيلة. فقضية التحرر السياسي محور مشترك مع كل الفضلاء الديمقراطيين من شتى المشارب والتوجهات لكن مهمة إرشاد الناس لبناء أركان التقوى هي عنوان وجود الحركة الإسلامية وحدها ومن العسير أن تضطلع بها حركة اجتماعية أخرى. فضلا على كون تشييد صرح التقوى هو بمثابة إقامة للتحرر على المستوى النفسي مما يهيئ مناخا ملائما للتحرر السياسي: فطالما ردد المفكر الجزائري مالك بن نبي في كتابه (تأملات) ما مفاده أن الإسلام بدعوته المنتسبين إلى رسالته لنفي كل شعور بالاستعلاء على الناس أو انزلاق نفسي نحو قبول العبودية لحساب آخرين، فإنه بذلك يرسخ أقدام الشعور الديمقراطي في نفوس المسلمين. فضلا عن هذه المسألة، أبناء الحركة ملزمون في هذه المرحلة بخوض غمار النزال المعرفي بأدواته المعروفة للإسهام في الإجابة عن الأسئلة التاريخية التي مازالت معلقة.

كما أن الحركة الأمازيغية؛ إذا كانت قد حددت غاية غاياتها في صيانة حق البقاء و النماء للأمازيغية، فإن الوفاء لهذا الهدف الطموح ينبغي أن يبدأ من الحرص على استدامة التداول الاجتماعي للأمازيغية خصوصا وأن الحقائق لا تبشر بمستقبل سار للأمازيغية على المستوى الشفهي ذلك أن هناك دراسات تقول بأن تصاعد “التمدين” يقابله تراجع في التواصل بالأمازيغية في الحياة اليومية. من هنا على الحركة الأمازيغية أن لا تنسى أن النجاحات الرمزية التي حققتها الأمازيغية تُخفي خطرا داهما هو الانقراض الشفهي للأمازيغية. و يمكن لإدماج حقيقي للأمازيغية في التعليم أن يُخفض درجة الخطر لا إبعاده نهائيا.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.