الانتماء الصادق وغير المشروط هو الحل ..

الانتماء الصادق وغير المشروط هو الحل ..

05 أبريل 2018 - 16:37

(1)
مرة أخرى تجتاح موجةٌ عاتيةٌ من العنف مجتمعنا العربي، تطل برأسها الأشعث لتُذَكِّرَنا دائما بأن مجتمعنا في خطر، وصلت حد اغتيال إمام لأحد المساجد في مدينة ام الفحم في سابقة هزت الضمير الجمعي، وأثارت الشجون والمخاوف كما لم يحدث في يوم من الأيام.. مجتمعنا يوجه نداءات استغاثة مستمرة، ولكن لا يجد من يغيث!! يتنادى أصحاب الضمائر، ويحذر أهل الدراية والخبرة والتخصص، وينصح ذوو العقول والنهى.. لكن... وآه من لكن هذه التي ما أن تنزل بخطاها في أرض الأمل حتى تزرعه ألغاما، وترصفه كمائن وأفخاخا، فلا ندري متى تنفجر، ولا ندري كم من الأبرياء ستحصد قبل أن نصل إلى شاطئ الأمان...

من حقنا أن نحلم بمجتمع آمن، ومن حقنا في نفس الوقت أن نقرر حقيقة تاريخية لا ينكرها إلا ظالم، أن الإسلام العظيم هو من حَوَّلَ المجتمع العربي الجاهلي المتوحش إلى مجتمع سَجَّل أروع صفحات السمو الروحي فاهتدى بعد ضلال، وتوحد بعد فرقة، وَقَوِيَ بعد ضعف، وانتُصر بعد هزيمة ، وأبدع بعد جمود، وارتفع بعد هبوط ، وتقدم بعد انحطاط... لقد أبدع الشيح محمد الغزالي رحمه الله ، في وصفه لمكة كنموذج لمجتمع العرب الجاهلي فقال: (لقد شبعت حتى بطرت ، وتنازعت الكبرياء حتى تطاحنت عليها، وكثر فيها من تغلغل الإلحاد في أغوار نفسه حتى عز إخراجه منه. فَهُمْ بين عَمٍ عن الصواب أو جاحد له، وفي هذا المجتمع الذي لم ينل حظا يذكر من الحضارة العقلية، بلغ غرور الفرد مداه، ووجد من يسابق فرعون في عتوه وطغواه) ...

من اجل ذلك سعى الإسلام منذ أن بزغت شمسه إلى تطهير النفس البشرية من أمراضها، كما وعمل على تغيير أجندات المجتمع وقلب أولوياته حتى تنسجم مع الروح الجديدة التي بدأت تبني بدل أن كانت تهدم، وَتُعَمِّرُ بعد أن كانت تدمر، وتسمو بعد أن كانت وصلت إلى قمة الانحطاط في الأخلاق والسياسة والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والتنموية والحضارية...

لقد كان العنف بكل أشكاله السمة الغالبة على المجتمعات العربية قبل الإسلام ، حتى استحقت تلك الفترة أن تحمل لقب (الجاهلية)، وكان النزاعات الدموية والظلم بكل صوره، هي الحاكمة للعلاقات بين قبائلهم، حتى حولوا صحرائهم رغم أوضاعها القاسية، إلى ساحة حرب وصراع لا يتوقف لأتفه الأسباب، وَبَنَوْا مجتمعاتٍ تتغذى على الجريمة المنظمة والثارات التي لا تهدأ والنعرات التي لا تعترف بمشترك مُوَحِّد، حتى باتت (أيام العرب) وهي حروب دامية ضارية، نشبت لعقود أحرقت الأخضر واليابس وأهلكت الحرث والنسل، صُلْبَ المنافسة فيما بينهم والمحركة الأكبر (لنضالاتهم)، والهدف الأسمى لحياتهم ووجودهم... فما حققوا لهذه الأسباب كلها إنجازا حضاريا يذكر إلا ما ندر، ولم يكن لهم وجود في قاموس الحضارات والمدنيات القديمة ، ولم يكن لهم اعتبار في قاموس العلاقات الدولية والموازين الاستراتيجية كما كان لغيرهم من أمم الشرق والغرب .

جاء الإسلام فجعلهم أمة واحدة، أصبح لحياتها طعم ولوجودها هدف سام وغاية جليلة، فما هي إلا سنوات حتى تحولوا إلى سادة للأمم وقادة لشعوب الأرض وبناة لعظم حضارة عرفها التاريخ..

(2)
يجب أن نعترف أننا اليوم نعيش جاهلية ولكن بلا أصنام حجرية، لكنها جاهلية تحمل سمات الجاهلية الأولى وأعراضها: عنفا وصراعا ونزاعا وسلبية وتخلفا وخفة عقل وغيابا عن منظومة الأمم الفاعلة والمؤثرة... لا أرى حلا لمشكلتنا اليوم إلا في الحل الذي بَدَّلَ أوضاعنا وَغَيَّرَ أحوالنا بالأمس... لن يتحقق هذا إلا بالارتفاع إلى مستوى ديننا العظيم، والذي هو الضمان لتحرك كل القوى الحية في المجتمع مدفوعين بالشعور بالمسؤولية الدنيوية والأخروية عن أي تقصير في حماية الإنسان والشرف والكرامة... لا بد من اجل إتمام المهمة من رجال ونساء، وَحَّدُوا هَمَّهُم فأصبح واحدا: الله سبحانه، وَفَجَّروا هِمَمَهُم حتى صارت سَيْلا اقتلع كل باطل، ومحا كل انحراف، وغسل وجه الأرض من كل أرجاس الجاهلية الأولى وأنجاسها وأدناسها... هذا ليس خيالا.... إنها الحقيقة التي تنتظر من يُبَشِّرُ بها، ويسعى في الأرض ينشر أنوارها وأسرارها...

(3)
ولما كان الجانب العملي هو الحاسم في القضية والذي لا غنى عنه للعبور بمجتمعنا إلى بر الأمان تحت الأنوار الكاشفة لشريعة ربنا وهدي نبينا صلى الله عليه وسلم، شعرت بأن إهمال هذا الجانب سيعتبر وبكل المعايير تقصيرا في حق مجتمعنا الذي يستحق منا كل الاحترام، ويحتاج منا إلى كل دعم وإسناد حتى يتخطى حقول الألغام التي زرعتها عناصر ذاتية وخارجية، فحالت بينه وبين الانطلاق نحن بناء حاضر آمن ومستقبل واعد...

أضع تجربتي في هذا الجانب تحت تصرف مجتمعنا، آملا في أن أكون بهذا قد أديت ولو قسطا بسيطا ومتواضعا من الذي عَلَيَّ تجاهه وتجاه شعبي وأمتي ... أبدأ القصة من البداية لأهميتها ولارتباطها برؤية البناء من الأساس إن أردنا فعلا الوصول إلى الغايات السامية والأهداف النبيلة..

كَبُرَ الاهتمام بأوضاع مجتمعنا مع كل مرحلة مرت من مراحل حياتنا... ازداد فيها الوعي، وعظمت بالضرورة الهِمَّةُ من اجل المساهمة ولو بشكل متواضع في إصلاح الأوضاع بما يتناسب مع عظيم شأن هذه الأمة، وجليل دورها، وَكِبَرِ مهمتها وثقل الأمانة الملقاة على عاتقها، وهي التي قال الله فيها (كنتم خير أمة أخْرِجَتْ للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله..)...

فهمنا منذ نعومة أظفارنا أن (الخيرية) المُشار إليها في الآية ليست (خيرية عنصرية) متعلقة بالقومية أو اللون أو العرق أو الجغرافيا، كما هي عند حملة الفكر العنصري الذي يعتبرون أنفسهم (الأمة المختارة) لذاتها فقط، فهم (المختارون) مهما ارتكبوا من الجرائم وانتهكوا من المحرمات وخانوا من الأمانات. أنها ليست (خيرية مطلقة)، بل هي خيرية مقيدة بنص الآية الكريمة... معنى ذلك أن المدخل لحيازة شرف (الخيرية) مرتبط بشروط، وعلى رأسها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي يعني (مشروع إصلاح شامل) يستغرق كل جوانب الحياة.

زاوية مضيئة أخرى نلتقطها من الآية الكريمة وهي أن المخاطبين بها هم عامة المسلمين وليس خاصتهم، وبذلك تصبح عمليه الإصلاح مسؤولية كل فرد في المجتمع، وإن كانت هذه المسؤولية عقلا ومنطقا متفاوتة من حيث قدرات الناس ومواقعهم على امتداد الهرم التنظيمي للمجتمع من قمته إلى قاعدته ... هكذا فهمنا المسألة، فكرسا حياتنا من أجلها وفي سبيلها، لعل الله سبحانه يكتب لنا ولمجتمعنا النجاة في العاجل والآجل، وفي المعاش والمعاد ...

(4)
شاءت الأقدار أن أخوض تجربة إصلاحية أحسبها ناضجة ومفيدة، وذلك أثناء فترتي رئاستي لمجلس كفر قاسم لفترة عشر سنوات كاملة، ما زالت حية تعطي أكلها كُلَّ حينٍ بإذن ربها حتى أيامنا هذه. شارك في إنجاح هذه التجربة المئات من الإخوة والأخوات في البلدة، مدعومين بالآلاف من الأهل الأعزاء الذين أعلنوا احتضانهم لها وإسنادهم لجهودها بالغالي والرخيص، لما رأوا من نتائجها المباركة على مشهد الحياة في المدينة. هدفها التصدي بحزم لظواهر الانحراف والفوضى، والتعامل الفاعل مع كل أعراض وإفرازات حالة الخلل التي جرّأتْ عددا قليلا من الخارجين على كل شيء جميل في المجتمع، فعاثوا في الأرض فسادا، وحسبوا أن أحدا لن يقف في وجههم، ويرد كيدهم إلى نحورهم، كجزء من عملية البناء الرصين للمجتمع... فليست العبرة في مواجهة الشر فقط، ولكن بزراعة الخير مكانه... فتوجهت الجهود إلى الهدم، هدم الباطل بكل صوره وأشكاله وتجفيف مستنقعاته من جهة، والبناء الشامل للإنسان والأرض من الجهة الأخرى...

لم تكن الخطة التي اعتمدناها موضعية فقط، وإنما جاءت شاملة وبعيدة المدى وعميقة الأثر، مبنية على رؤية محددة ورسالة واضحة تستمد قوة دفعها من خلال عملية (تثوير) للطاقات الكامنة والمعطلة في المجتمع، ومن خلال عملية (تحرير) للوعي من عقدة الخوف والتردد واللامبالاة وعدم الاكتراث وضعف الانتماء، ونهايةً من خلال عملية (تنظيم وتعبئة) لكل الكفاءات المجتمعية بلا استثناء على قاعدة (وتعاونوا على البر والتقوى)، و (ومن تطوع خيرا فهو خير له)، و(المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)، وغيرها من الآثار الجليلة.

جوهر هذه الخطة الناجحة والتجربة الرائدة يكمن في استثمار الاستعداد لدى قطاعات المجتمع المختلفة لخدمة نفسها من خلال ما يمكن أن نسميه (بأنموذج مركز الحي) كرافعة للنهوض بمشروع الإصلاح الشامل بما فيه مواجهة ظواهر العنف والجريمة، على اعتبار أن العنصر البشري حاسم في هذه العملية، فكلما زاد استثمارنا في إعداد وتأهيل وتعبئة الفرد والمجموعة، كلما نجحنا في إطلاق عمل تطوعي حقيقي... العامل الأساسي للنجاح في هذا المشروع يتوقف على الروح الطلائعية التي يجب أن يتمتع بها القائمون عليه، فمهما كانت الخطط والبرامج رائعة وإلى أبعد حد، لن تجد طريقها إلى واقع الناس ما لم يحملها من يؤمن بها ، ويتفانى في سبيلها، ويكرس حياته من أجلها... هذا صحيح في القضايا الصغيرة كما هو في الكبيرة...

تنادي مجموعات من الرواد والطلائعيين في كل مدينة وقرية ومجمع سكني، وهم عادة قلة في كل مجتمع، إلى التبشير بهذا المشروع والتعاهد على المضي به رغم كل العوائق، وتحقيق الانتصار على كل العقبات، من خلال رؤية ليس في قاموسها مكان لليأس والإحباط، أو التراجع والهزيمة، أو المستحيل والجمود، كفيلة ببدايةٍ لا بد أن تحقق الأهداف، ولنا في تاريخ الأمم وخاصة أمتنا أصدق شاهد على هذه الحقيقة... مشروع تحمله تشكيلات بشرية يمكن أن تحمل اسم (إدارة الحي) تنطلق من المساجد والنوادي والمراكز الجماهيرية في كل حارة، وهي قواعد الإصلاح عبر العصور، تكون مهمتها الاضطلاع بعدد من المهام المتعلقة بالحي ابتداء من أمن سكانه وانتهاء بحماية البيئة وجمالها ، وما بينهما من مهام تتسع لتشمل كل نواحي الحياة..... تتشكل من مجموع هذه الإدارات في كل حي، إدارة عليا تضم في عضويتها ممثلي اللجان في كل حي، تدير وتنسق وتشبك وتنسق مع كل الجهات وعلى رأسها البلدية أو المجلس، تحقيقا لأهداف لا خلاف عليها... بهذا، وبهذا فقط نبدأ مشوار الإصلاح الحقيقي، وإلا فلننتظر الأسوأ، ولا يلومن أحدنا إلا نفسه...

* الرئيس السابق للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

أعداء الفن والفنانين

مخاوف تجاه الذكاء الاصطناعي.. نموذج الصين

أفريقيا في قبضة الموساد الإسرائيلي.. الجاسوسية بديل للدبلوماسية‎

تابعنا على