سيكولوجية الاستكبار والاستضعاف..

سيكولوجية الاستكبار والاستضعاف..

30 أغسطس 2018 - 14:03

علوٌّ صهيو- أمريكيٌّ غير مسبوق (استكبار)، في مقابل انحطاطٍ وارتكاسٍ سحيقٍ وعميقٍ عربيٍّ واسلاميٍّ غيرِ مسبوقٍ (استضعاف)، هي الصورة التي تشخص أمامي كلما تأملتُ في اوضاعنا وأوضاع امتنا من المحيط الى المحيط، مقارنة بأوضاع أمم الأرض وشعوبها..

(1)

(العلوُّ/الاستكبار) في هذه المعادلة يحمل بُعْدَين، كما ان (الانحطاط/الاستضعاف) يحمل بُعْدَين أيضا..

(العلوُّ/الاستكبار) يعني التجبر والسطوة، والقدرة على التحكم في الضعيف والسيطرة عليه وشلِّ حركته واستنزاف ثرواته، وقتل آماله وتطلعاته، وإغلاق أبواب المستقبل في وجهه، وإشغاله في أزمات داخلية لا تنتهي تتوالد كالنمل، ودفعه إلى الاستسلام الكامل ل – (السيد) إلى حدِّ الاعتراف ب – (فضله!!) وإن كان صائلا متجبرا، متوحشا دمويا، وفاتكا لعينا.. هذا بُعْدٌ أول..

إذا ما أضيف البُعْدُ الثاني، وهو القوة المادية والعسكرية والاقتصادية، والتفوق التكنولوجي والعلمي والمدني، والاستقرار السياسي والاجتماعي، والنفوذ الإعلامي، والتأْثير السياسي، كان (العلو/الاستكبار) أكثر خطرا وأشد بأسا وأشنع تنكيلا..

أما إذا كان وراء هذا (العلو/الاستكبارّ) بصفته التي ذكرتُ، دولٌ ذاتُ ثقلٍ كبيرٍ وتملكُ من القوة المادية والمعنوية ما لا يملكه (هدفها) المفترض، كانت الطامة الكبرى والجائحة العظمى..

في المقابل، فإن (الانحطاط/الاستضعاف) حالةٌ تقع في قاعها السحيق مجموعات بشرية أفرادا كانوا او جماعات او شعوبا وأمما، تبدأ بضعف ماديٍّ وبنيوي يجعل من قدرة الامة على مواجهة الاخطار وأشكال العدوان محدودة جدا، فإذا ما استفحلت الحالة وامتدت زمانا وتعمقت تأثيرا، كان الخطر أكبر في ان تتحول القضية إلى (حالة نفسية) تُفقد الامةَ ليس فقط القدرة على مواجهة عدوها ومقاومة جلادها، ولكن تفقدها الإحساس بالخطر وبحقها في الدفاع عن نفسها، فتتحول إلى أداة طيعة في يد جلادها تخدمه وتتعايش معه لا على اعتباره خطرا يجب اقتلاعه عندما يحين الوقت المناسب، ولكن على اعتباره الوضع الطبيعي وغيره الاستثناء، وهذا من اخطر الظواهر التي إن استسلمت لها الامة، فلا أمل في نهضتها واستعادة مكانتها، واسترداد مكانها..

من الأسباب والنتائج الملازمة لحالة (الاستضعاف)، التخلف المدني، والانحطاط الحضاري والارتكاس السياسي، والتردي في الأداء الاقتصادي، والتصحر الثقافي، والتجريف الأخلاقي، والتعرية القيمية، وغياب التأثير على القرار الدولي، والاستقالة من التاريخ..

من الانصاف أن نذكر هنا ان الأمم ليس نسيجا واحدا في تعاملها مع ظاهرة (الاستكبار) و (الاستضعاف)، فمنها من يستسلم فلا يرفع عقيرته في وجه جلاده داخليا كان او خارجيا، محليا او اجنبيا، عربيا او اعجميا.. ومنها من لا يعرف اليأسُ الى قلوب أبنائها طريقا، ولا الإحباطُ اليها سبيلا، فهي تعيش حالة تحفزٍ دائمٍ واستنفارٍ لطاقاتها مستمرٍ، حتى إذا ما تهيأت الفرصة كان الانقضاض على (المستكبِر/المستعمِر) كالقدر المقدور الذي حَطَّ من علٍ، فيزيله عن مواقعه، ويدحره عن ثغوره، ويبيد خضراءَه، ويزلزل أركانَه، ويدمر بنيانَه، ويستخلص من تحت سلطته ما اغتصبه من الأرض والمقدسات والثروات ظلما وعدوانا، فلا يفارقه إلا وقد أصبح نسيا منسيا، لا تحس منهم من أحد او تسمع لهم رِكْزا..

مما لا شك فيها ان أمتنا عبر تاريخها الطويل اثبتت انها من النوع الذي لا يرضى بالضيم، ولا يقبل بالدنية، ولا يركن الى الظَّلَمة ولا إلى الفسده من بني جلدتهم كانوا أم من غيرهم، وإن عاشت حقبا من الزمن ترسف في أغلال العبودية، وتخضع للاحتلالات الأجنبية ومن بعدها لأنظمة الاستبداد الظلامية، كما هو حالها في العقود السبعة الماضية، إلا انها لم تستسلم يوما لهذه الأوضاع، فسرعان ما هبت من كبوتها، واستيقظت من سباتها، وخرجت من تحت الرماد كالعنقاء تعلم جلاديها الدرس تلو الدرس.. لا شك عندي ان السنوات القريبة القادمة ستثبت هذه الحقيقة شاء من شاء، وأبى من أبى!

الحقيقة هي أنه وكما لا تجد فقيرا في امة إلا وتجد في المقابل من سرق قوت هذا الفقير، فكذا لا تجد (مستضعفا) في الأرض إلا وتجد في المقابل (مستكبرا) قد استباح لنفسه من غير حق ان يسطو على حقوق (المستضعَف)، وابتدع من وسائل (الاستعباد) المعاصرة وغير المباشرة ما يجعل (استعماره/استخرابه) كما لو كان (رسالة نبيلة!!!) "رسالة الرجل الأبيض كنموذج"، جاءت لخدمة الشعوب وتأهيلها لحكم نفسها، بينما جاءت في الحقيقة لتحافظ على مكتسبات ومصالح (المستعمر/المستكبر) القومية، وحماية مصالحة والدفاع عن امتيازاته بغض النظر عن تداعيات ذلك على الأمم المستضعفة سَحْقا وتدميرا!!

(2)

(الضعف) في اللغة نقيض (القوة)، وهو أيضا يحمل معاني أخرى ك – (قلة الحيلة) و (العجز) وغيرها من المعاني..

المتتبع لظاهرتي (الاستكبار) و (الاستضعاف) والصراع بينهما في القرآن الكريم، يخلص إلى ان فلسفة الإسلام في تناول هذا الصراع إنما يقوم على تقديسه لقيمتي (الحرية) في اختيار الحركة في الحياة (لا إكراه في الدين.. أفأنت تُكْرِهُ الناسَ حتى يكونوا مؤمنين.. لست عليهم بمسيطر.. متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار)، من جهة، وقيمة (كرامة الانسان)، كل إنسان (ولقد كَرَّمْنا بني آدم..) من جهة أخرى..

الإسلام حينما يخاطب الانسان بأحكامه إنما يريده أولا أن يكون اختياره حرا حتى يكون التزامه نابعا عن قناعة تامة، فإذا ما حِيلَ بين الانسان وبين حقه في ممارسة حريته وحماية كرامته، استنهض الإسلام الامة للقيام بواجب الدفاع ولو بالقوة عن هذه الحقوق الأساسية المنتهكة، لأن في استمرار انتهاكها تكريس لحالة (الاستضعاف) التي يرفضها الإسلام ويدعو الى التمرد عليها والانقضاض على حصونها وهدمها حتى القاع، مصداقا لقوله تعالى: ( وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا)..

حرص الإسلام في إرسائه لقواعد بنيان المجتمع الإنساني وفي قلبه المجتمع الإسلامي، على استبعاد كل صور القهر والاستضعاف والاعتداء والاستعباد المعاصر والذي وإن اختلف مع الاستعباد القديم في ملامحه الخارجية فإنه يلتقي معه في الجوهر من حيث أنه يهدف - كما القديم - الى السيطرة الكاملة على جسد وروح وامكانيات (المستَعْبَد/المستضعَف)، وتسخيره لمصلحة (السيد) دونما النظر الى النتائج المدمرة لهذا السلوك عليه..

في مقابل ذلك، سعى الإسلام الى ترسيخ منظومة قِيَمِيَّة تضمن علاقة صحية بين الأمم والشعوب مبنية على الاحترام المتبادل، والاجتماع على ما فيه خدمة المجتمع الإنساني وضمان تمتعه بحقوقه وأمنه وتطوره ونمائه، مصداقا لقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، وقوله تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)، وقوله سبحانه: ( لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)..

بهذا المعنى يحرص الإسلام على استثمار وتوظيف الاختلاف بين الناس - والذي هو سنةٌ من سنن الله وقانونٌ من قوانينه الازلية - لضمان الحد الأقصى من التعاون بينهم ليس داخل المجتمع الواحد والأمة الواحدة والذي هو بديهي، ولكن بين الأمم والشعوب المختلفة دينا وعرقا ولغة ولونا، وذلك بهدف تحقيق التكامل من خلال التنوع في القيام بمهمة عمارة الأرض وإصلاحها بدل تخريبها وإفسادها!!

(3)

(الاستضعاف) و (الاستكبار) من المصطلحات القرآنية الكثيرة التي تجاوزت في دلالاتها المعنى اللغوي للكلمة - وهذا ما يليق بالقرآن كمصدر للإلهام الاستراتيجي فوق مصدريته التشريعية - قَعَّدَتْ لرؤىً بعيدة، وأصَّلَتْ لنظمٍ ازليةٍ باقيةٍ تحمل من الدلالات المعنوية ما يتجاوز المعاني الجزئية لتُشَكِّلَ لافتات لقضايا كبرى وعناوين لمسائل عظمى، وأسُسًا لقواعد راسخة. ساهَمَ في تحقيق هذا المعنى ما تميزت به مصطلحات القرآن الكريم من مباني غاية في الروعة والتميز والأناقة جعلتها مخرنا لا ينضب من الطاقة المعنوية التي تُلْهِمُ النفس البشرية وتملأها بالحماسة والايمان من اجل تغيير الواضع بما يتفق مع مدلولاتها..

لقد استوعبت الامة قيادةً وشعوبا منذ انطلاقتها الأولى تحت قيادة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم – ما عدا مراحل قصيرة في تاريخها - وحتى سقوط الدولة الإسلامية الجامعة (الخلافة العثمانية) الفعلي مع انتهاء حكم السلطان عبدالحميد الثاني عام 1908 (رسميا في عام 1923)، استوعبتْ هذا المعنى وفهمت مدلولات هذه الثقافة التي لخصها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.. لذلك ظلت أمة عزيزةً ومهيبةً ومحصنة ضد الهوان والاستكانة، وعَصِيَّةً على أن يستضعفها غيرها من الأمم.. أما حين تخلت عن هذه الروح وسلَّمتْ قيادها لحكام ظلمة لا علاقة لهم بدين او وطن أو شرف، عادت لتصبح مطيَّةً لغيرها، ولن تسترد مكانتها الا بالعودة إلا ما أصبحت به عصية قوية على مدى قرون طويلة..

(4)

من اللافت ان القرآن الكريم يعرض لمسألة الصراع بين (المستضعفين) و (المستكبرين) بشكل يتجاوز (التفاصيل العينية) لقصص صراع الأنبياء والمصلحين مع اممهم ومع الطغاة المعربدين ف - (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) كما يقول الاصوليون ، بل يحرص على لفت الانتباه إلى ما وراء تفاصيل القصة، ليضعنا مباشرة امام ظاهرة مضطردة لا تنحصر في زمان او مكان، وهي أن الصراع بين (المستكبرين والمستضعفين) كما جاءت اخبارها في القرآن الكريم، لم يكن يوما صراعا على مصالح مادية محدودة فقط، وإنما هو صراع شامل في جوهره استعلاءُ قوم على قوم، وفئة على فئة، واستباحة القويُّ (المستكبر) لكل أدوات البطش والتنكيل في سبيل إحكام السيطرة على الآخر (المستضعف) مهما كانت النتائج، ومهما خالف في ذلك الشرائع والمواثيق الدينية والدولية.. يأخذ (الاستكبار) في هذا الصراع صورا وأشكالا كلها خطيرة وتشكل تهديدا للنسيج الاجتماعي والاستقرار الإنساني، قد تكون في صورة (بلطجي) في حارة، أو (عصابة) في بلد، او (مدير) في مؤسسة، أو (مالِكٍ) في مصنع، او (إقطاعي) في ناحية، أو حتى (أب) في أسرة.. الخ..

الا ان أخطرها: أولا، حين يتخذ (الاستكبار) صورة التكتل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والعسكري.. وثانيا، حينما يكون المستهدف هو قلب الامة النابض، وحراس عقيدتها وهويتها الدينية والوطنية الصادقة (القوى الإسلامية كالإخوان المسلمين، والقوى الليبرالية المتنورة، كنموذج)، والذي نراه اليوم صارخا في اغلب الدول العربية والإسلامية وخصوصا في مصر وسوريا والسعودية والامارات والبحرين ومن لف لفيفها..

(5)

نهاية، وجدت فيما رواه أمير القصة الروسية (انطوان تشيكوف) في حكايته الواقعية ما يلقي بالضوء على سيكولوجية الصراع بين المستكبرين والمستضعفين في الارض، الخانعين للقوة، أيا كان نوعها..

بطلة القصة هي (يوليا) وتعمل كمربية أطفال استدعاها سيدها ذات يوم إلى غرفة مكتبه، وقال لها بعد أن طلب منها الجلوس:

"دعينا نصفي أمورنا، أنت بحاجة للمال دون شك، ولكنك تحبين الرسميات بحيث لم تطالبي بأجرتك، حسنا لقد كنا اتفقنا على ثلاثين روبلا شهريا"..

ردت المربية بصوت خافت: "بل أربعون"..

كلا رد السيد بحزم: "ثلاثون لا غير، فقد دونت ذلك، ولقد مضى على قدومك هنا مدة شهرين"..

ردت المربية: "بل شهران وخمسة أيام"...

وعاد السيد يقول: "بل شهران بالتمام والكمال، هذا ما دونته في مفكرتي، وهذا يعني أنك ستستلمين ستين روبلا، أخصمي منها أجرة تسعة أيام أحد، حيث أنك لم تعط دروسا لابنتي أيام الآحاد، إذ ذهبت في نزهة على الأقدام في أحد هذه الايام، وذهبت ايضا إلى الكنيسة مرتان"..

احمر وجه (يوليا) وبدأت تتململ وتعبث بطرف ثوبها بعصبية، ولكن دون أن تتفوه بكلمة..

استطرد السيد يقول: "ثلاثة أيام! وبالتالي يخصم مبلغ اثنى عشر روبلا، واذكر أن ابنتي مرضت لمدة اربعة ايام ولم تأخذ أي دروس، كما انك أصبت بألم في ضرسك ولمدة ثلاثة ايام أعفتك زوجتي من التدريس بعد وجبة العشاء، وبذلك تبقى لك في ذمتي واحد واربعون روبلا، هل هذا صحيح؟"..

أحمرت عينا الفتاة واغرورقت بالدموع، وأرتجف ذقنها، ثم سعلت بشكل عصبي، ونظفت أنفها ولكن لم تتفوه بكلمة..

أكمل السيد: "في عيد رأس السنة كسرت طبقا وفنجان شاي، وهذا يعني خصم روبلين، مع أن الفنجان يساوي أكثر حيث أننا ورثناه، ولكن لا بأس! ثم وبسبب قلة أهتمامك، تسلقت أبنتي الشجرة ومزقت معطفها، وهذا يعني خصم عشرة روبلات، ثم أن الخادمة وبسبب اهمالك أيضا سرقت حذاء ابني، وكان من المفروض أن تراقبي كل شيء، فأنت تتقاضين راتبا، وهذا يعني خصم خمسة روبلات أخرى، وفي العاشر من يناير اقترضت مبلغ عشرة روبلات.!!"

ردت المربية بهمس: "لم أقترض"..

عاد يقول: "ولكنه مكتوب في الدفتر"..

"حسنا لا يهم"، ردت هامسة..

عاد يكمل: "لو طرحنا سبعة وعشرين روبلا من واحد وأربعين، لأصبح الباقي اربعة عشر روبلا"..

غمرت الدموع عيني «يوليا» وتصبب العرق من أنفها الجميل، وقالت في صوت مرتجف: «لقد اقترضت ثلاثة روبلات مرة واحدة فقط من زوجتك، ولم اقترض بعد ذلك».

قال: "حسنا حسنا، لم أدون ذلك، لم أكن اعرف، فلو طرحنا ثلاثة روبلات من أربعة عشر لأصبح الباقي أحد عشر روبلا، خذي نقودك يا عزيزتي"..

ناولها النقود فأخذتها ودستها في جيبها بيد مرتجفة، وهمست قائلة: "شكرا"..

قفز واقفا وبدأ يدور في الغرفة وقد تملكه الغضب: "على ماذا تشكرينني؟"..

ردت وهي حائرة: "على النقود"..

قال: "ولكنني خدعتك، اللعنة، لقد سلبتك، لقد سرقتك، فعلى ماذا تشكرينني؟"..

ردت بهدوء: "لم يدفع الذين عملت عندهم من قبل لي أي مبلغ على الاطلاق"..

قال بدهشة: "ألم يدفعوا لك شيئا. أنا لا أستغرب ذلك، لقد كنت أمزح معك فقط، لقد أردت أن القنك درسا قاسيا، انظري سوف أدفع لك مبلغ ثمانين روبلا بالكامل.. ها هي نقودك، لقد جهزتها لك في مغلف، ولكن كيف لشخص أن يكون بهذه الاستكانة؟ لماذا لم تحتجي؟ لماذا لم تقولي شيئا؟ هل تعتقدين أنك تستطيعين ان تتعاملي مع الناس في هذه الدنيا دون أن تكشري عن أنيابك؟ هل من الممكن أن يكون الإنسان بهذا الضعف؟"..

ابتسمت المربية ابتسامة باهتة، واستطعت ان أقرأ على وجهها الإجابة: "ممكن"..

سألها متنهدا ان تصفح عنه بسبب هذا الدرس القاسي.. شكرته مرة أخرى دون ان تفارقها الدهشة لأنها استلمت مستحقاتها كاملة..

تابع خروجها المنكسر وقال في نفسه: من السهولة ان يكون الإنسان قويا في هذا العالم.. وذلك لان الاغلبية ضعفاء. أو مستسلمين للضعف.

* الرئيس السابق للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني..

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

متى يبلغ البناء الديمقراطي تمامه؟

الشيكات المحررة بتيفيناغ الأمازيغية تمتحن الأبناك

الموسم الدراسي.. إغلاق الارتباك وجائحة فرصة الإصلاح

تابعنا على