حينما تصبح مزاولة مهنة المحاماة ملجأ لتصريف الأزمات

حينما تصبح مزاولة مهنة المحاماة ملجأ لتصريف الأزمات

04 أبريل 2019 - 02:52

بتاريخ 31 آذار (مارس) من السنة الجارية ، نظمت وزارة العدل و الحريات المغربية بشراكة مع هيئة المحامين بالمغرب ، و هي شراكة صورية لا أقل و لا أكثر تنفرد فيها الأولى بحصة الأسد ، امتحان الحصول على شهادة الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة . حيث بلغ عدد المترشحين ، حسب ما تم الإعلان عنه من قبل بعض المصادر ، أزيد من خمسين ألف مترشح .

الملاحظ ، أن هذا الرقم يدل على إقبال كبير على هذه المهنة ، و هو كبير جدا إذا ما قارناه بعدد المشاركين في امتحانات أو مباريات أخرى خاصة بوظائف أخرى ، كالقضاء مثلا . و تفسير ذلك ، حسب ما يتداول ، لا يرجع فقط إلى العدد المهول للعاطلين عن العمل من حاملي الشهادات على صعيد الوطن ، بل لاستسهال شروط المشاركة في امتحان الحصول على الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة ، مقارنة مع غيرها من الوظائف .

الكثيرون من المتتبعين لهذا المجال ، اعتبروا على أن القصد من تبسيط شروط المشاركة في هذا الامتحان ، كجعل المسابقة امتحان و ليس مباراة و المعدل المطلوب الحصول عليه و كذا نوع الشهادة الجامعية و درجة استحقاقه .. يعود إلى التخفيف من ألم شوكة البطالة المدقوقة في خصر الدولة . على اعتبار أن مهنة المحاماة مهنة حرة ، و هي لا تكلف ميزانية الدولة درهما واحدا . و فوق هذا و ذلك ، سوف تساعدها على ملئ خزائنها ، عن طريق الضرائب المباشرة و غير المباشرة .. إذ أن المحامي ، مفروض عليه أداء ضرائب خاصة لخزينة الدولة ، إضافة إلى مساعدتها في تحصيل رسوم قضائية بشكل مباشر عن طريق صناديق المحاكم ، بمناسبة فتحه لأي دعوى . على عكس الوظائف العمومية التي تنهك خزينة الدولة . ثم ، إن هناك فوائد أخرى ، هذه المرة ليست للدولة ، و إنما تستفيد منها نقابات المحاماة على صعيد الوطن . إذ أن كل مزمع على التسجيل في إحدى النقابات ، بعد حصوله على شهادة المزاولة ، عليه أن يؤدي مثلا لأحد الهيئات الراغب في التسجيل بها ، هيئة القنيطرة نموذجا ، مبلغ مائة ألف درهم ، فضلا عن علاوات أخرى . وأما السؤال ، عن أين تذهب كل هذه الأموال ، التي تؤدى من قبل الملتحقين و التي قد تصل إلى مئات الآلاف من الدراهم ، فذلك موضوع آخر .

لكن ، الذي يظهر على مستوى الواقع ، أن ذلك لا يعدو كونه سوى تغيير طلاء هذه البطالة بطلاء آخر ، لا يختلف عنه إلا في اللون و الاسم . إذ أن الأولى بطالة رسمية و الثانية بطالة غير رسمية . فمن قبل ، كانت إلزامية المحامي تكاد تكون في أغلب القضايا ، لكن اليوم صارت ملزمة في قضايا محسوبة على رؤوس الأصابع . و التعديل الذي عرفه الظهير المنظم لحوادث الشغل و الأمراض مهنية ، الغرض منه و بشكل أساسي ، يصب في هذا الاتجاه ، أي الحد من مساحات اشتغال المحامي . إذ أصبح الصلح ضروري في كل قضية من هذه القضايا ، و يترتب عنه عدم قبول الدعوى . و الضحية المصاب بحادثة شغل أو مرض مهني حينما يراسل شركة التأمين من أجل الصلح ، فإنها تغريه بإغراءات معينة ، هدفها منها صده عن التوجه نحو مكتب محام ، بأي طريقة كانت . كذلك ، العديد من القضايا التي تكون الدولة بمؤسساتها العمومية طرفا فيها ، لا يستلزم فيها أيضا محام . و يأتي على رأس ذلك كله ، الممارسات و الأشكال الشاذة لمن اقتحم مجال اشتغال المحامي عنوة ، إضافة إلى السمسرة . و إذا ما أضفنا هذا كله ، إلى ما تقوم به وزارة العدل من إغراق المهنة بملتحقين جدد ، دون فعل أي شيء إيجابي ، سوف نكون سائرين نحو الحصول على بطالة من نوع خاص . فعدد المحامين اليوم بلغ أقصاه ، و على رأس كل ثلاث سنوات ، تعلن وزارة العدل عن امتحان لنيل شهادة مزاولة المحاماة ، و بعملية حسابية بسيطة ، سوف نصل في أفق العقدين القادمين ، إلى بطالة حقيقية في صفوف المحامين أكثر مما هو موجود اليوم .

و ليس ذلك وحده هو ما سوف يحصل و ينجم ، بل إن الآثار و العواقب الجد السلبية التي تترتب عن هذا الاستسهال ، لا تظهر فقط على مستوى الممارسات التي تظهر هنا و هناك لدى ممارسيها ، بل أيضا على جودة عمل القضاء . هذا إذا ما سلمنا و آمنا بالفعل ، على أن المحاماة ، خاصة في المغرب ، لها ذاك الدور العالمي الفعال في تحقيق العدل و الإنصاف .

ثم ، لمن المؤكد جدا ، أن مهنة المحاماة لا تقل أهمية بالمطلق عن مهنة القضاء . إذ يمكن القول على أنها الممتنع السهل . و أنها جزء لا يتجزأ من القضاء ، بل و أصعب من القضاء ، و مسؤوليتها أكبر من القضاء . حتى أنه مسموح للقاضي أن يخطئ . و خطئه يُصحح عن طريق الاستئناف ، و من دون أن يسأل عن خطأه هذا . و قاضي الاستئناف ، بدوره يصحح له خطأه أيضا إذا ما أخطأ ، القاضي الأعلى منه درجة في محكمة النقض ، و مع ذلك لا يسأل عن خطأه . لكن المحامي إذا ما أخطأ ، و كانت المسطرة التي سلكها على غير هدى قانوني ، و لو من ناحية الشكل ، فإنه يتحمل مسؤولية تقصيره عن الخطأ الذي ارتكبه ، بل و يؤدي ثمنه غاليا .

و رغم هذه الفروق ، فاقتحام قلعة القضاء مستعص جدا مقارنة مع هذا الولوج المباح لمهنة المحاماة . إلى درجة أن وزارة العدل ، قد أعطت لمن تتوفر فيه شروط اقتحام قلعة القضاء ، و هي شروط صعبة ، محاولتين فقط لاقتحامها . إذ أن الثانية ، إذا ما فشل فيها المنتقي المترشح ، خاب ظنه و أمله في هذه الوظيفة لبقية عمره . فلا يسمح له فوق الثانية ، أن يشارك في مباراة القضاء أبدا.

و حتى في الممارسة يظهر الفرق جيدا بين هذا و ذاك ، بين المحامي و بين القاضي . لكن الفرق في المعاملة التي تنتهجها الدولة بينهما ، ليس فقط بأخذها مطية للهروب من جحافيل العاطلين ، و إنما أيضا من ناحية التكوين . فمنذ مدة ، و وزارة العدل ما فتأت تتعهد بإنشاء معهد خاص بتكوين المحامين . لكن كل تعهداتها تذهب مهب الريح الذي ينجم عن التغيير الذي تعرفه في كل مرة و حين في عدد الوزراء الذين يتقلدون مسؤوليتها.

إن الحصول على قضاء قوي ذي جودة في الأحكام ، من الأكيد أن ذلك يلزمه تضافر جهود ، تتضافر عنها أيضا أسباب و عوامل كثيرة . لعل من أهمها مهنة المحاماة . فالتجارب أظهرت أن البلد الذي يتوفر على قضاء قوي يتمتع بمثل تلك المواصفات ، تكون فيه ممارسة مهنة المحاماة كما هي متعارف عليها عالميا . و العكس صحيح أيضا .

* محام بهيئة القنيطرة

 

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اختلاط كروي على بوابة المرمى

كورونا.. حتى نتفادى الأسوأ

عقوبة الطرد .. ضرب لأهداف التعليم

تابعنا على