لا تعارض بين الإسلام والديمقراطية!

لا تعارض بين الإسلام والديمقراطية!

08 مايو 2019 - 14:50

إن غياب الديمقراطية في العالمين العربي و الإسلامي واقعة لا ريب فيها ، و أما أسباب هذا الغياب فهي لا ترجع إلى الإسلام كدين ، إذ بوسع المرء أن يسرد من الشواهد ما يجعل مضمون الديمقراطية يدخل في دائرة المندوب إليه بل ربما في دائرة الواجب ، من وجهة النظر الشرعية ! و في جميع الأحوال فلن يستطيع أي "متشدد" الادعاء بأن مضمون الديمقراطية يدخل في دائرة المكروه بله في دائرة الحرام ؟: الراحل محمد عابد الجابري

1 - من أبجديات الفكر السياسي الكوني أن الديمقراطية نسق من المفاهيم و الآليات و الميكانيزمات المترابطة ، توظف من أجل تدبير الشؤون السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية .. داخل بلد معين ، و بالتالي فهي أهم وسيلة نظرية و إجرائية في يد الإنسانية راهنا ، لممارسة الحكم ، و التعاطي إيجابيا مع ظاهرة الاختلاف و التعددية ، من خلال العمل الدؤوب على استنبات قيم الحرية و المساواة و العدالة و الكرامة .. و لن يتأتى ذلك إلا عبر الفصل التام بين السلطات التشريعية و القضائية و التنفيذية و الإعلامية .. و وجود أحزاب سياسية مستقلة تحمل مشروعا مجتمعيا شاملا ، تمثل مكونا من مكونات الشعب ، و تتنافس سلميا على السلطة ، في استحقاقات سياسية دورية شفافة و نزيهة ، و في مناخ من الاحترام المتبادل بين الأغلبية و المعارضة ، كل ذلك بغية إقامة بناء كيان مجتمعي يحظى بالاستقرار و التقدم و التنمية المستدامة ! و لئن كان مفهوم الديمقراطية قديما يعود إلى فترة ما قبل الميلاد ، و تحديدا إلى العصر اليوناني ، فإن المنجز الديمقراطي المحكم و الملموس وليد العقود الأخيرة ، و خاصة بعد الحربين العالميتين ، و بالتالي فإن البحث عن التطبيق الفعلي للممارسة الديمقراطية في التاريخ القديم للمجتمعات الغربية و الشرقية لا يجدي نفعا كبيرا ! فكل المجتمعات الإنسانية عاشت قرونا تحت نير الفساد و الاستبداد محرومة من أبسط حقوقها في العيش الكريم ، و أن نظرة عابرة في أدبيات تاريخ الدول الغربية الراهنة ، تجعلنا نستنتج دون عناء ، أن المستوى الحضاري الرفيع الذي تعيش بين أحضانه ، تبلور إثر نضال مرير و شاق و بعد أن سالت دماء المقاومين ، الذين وقفوا في وجه الطغيان الديني و المدني و العسكري !

2 - مما يجعلنا منطقيا أمام خلاصة مفصلية مؤداها أنه من الخطأ التاريخي محاكمة التاريخ الإسلامي ، واتهامه بمعاداة الديمقراطية ، و غياب نماذج الحكم الرشيد طيلة مسيرة بناء الحضارة الإسلامية ، بل سيكون من الصواب القول إن التاريخ الإسلامي لم يخل من مراحل بالغة التقدم و الرقي و الحضارة ، و الممارسة السياسية العادلة ، سواء في عهد الرسول محمد (ص) أو في عهد الخلفاء الراشدين ، و فترات متفرقة من تاريخنا المشرق ، حيث كانت تتخذ قرارات البناء و السلم و الحرب ، في شكل من أشكال التشاور و الانفتاح و التسامح و قبول الآخر ، في مكة و بغداد و دمشق والإسكندرية و قرطبة ومراكش .. دون تجاهل صفحات الدم و الجبروت في عدد من محطات التاريخ العربي المديد، تماما كما هو الشأن بالنسبة لسابق عهد المجتمعات البشرية الحالية . فليس من رجاحة العقل ادعاء بعض المثقفين العرب رافعي يافطات الليبرالية و العلمانية عكس هذه الحقائق التاريخية الثابتة ، و المزايدة علينا بالإنجازات الغربية الديمقراطية الباهرة ، و الاستقواء "المعرفي" ، للتعويض عن الفشل الأيديولوجي و السياسي للهيئات المعادية لكل ما يرتبط بالمجال التداولي العربي الإسلامي . إن الإسلام ديانة سماوية مقدسة ، جاءت لتخرج الناس من ظلمات الفساد و الاستبداد ، إلى نور الصلاح و العدل ، و مادامت الديمقراطية منظومة رؤيوية و إجرائية بالغة الرقي ، تروم نشر القيم الإنسانية الخالدة ؛ من حرية و عدالة اجتماعية و مساواة و كرامة .. فإنها لا يمكن بحال من الأحوال أن تتعارض مع نبل الرسالة الإسلامية ، الداعية إلى نفس هذه المواصفات الأخلاقية السامية ، أليس الوعي الإسلامي الأصيل هو الذي طرح أسئلة جوهرية من قبيل : ( متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟ )

3 - و الحقيقة التي لا مراء فيها أن واقعنا العربي الكئيب في حاجة إلى كل أبنائه و فصائله الوطنية الإسلامية منها و العلمانية ، من أجل القطع مع ثقافة الانقلابات العسكرية المتجاوزة ، و الإقصاء المنهجي للمخالفين في الرأي و المعتقد ، مع ضرورة الاعتراف بالهزيمة إثر الاستحقاقات السياسية ، دون نهج سبل الانتقام من الفائز كيفما كان انتماؤه القومي والاشتراكي و الليبرالي و الإسلامي . و حدها ثقافة الديمقراطية التشاركية البناءة قادرة على جمع شمل الأمة العربية ، و تنظيم كفاءاتها و إمكاناتها المادية و البشرية ، في كيان مجتمعي مدني ، تـصاغ فيه المواثيق و الدساتير المنظمة ، و تقام فيه المؤسسات السياسية و الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية و التعليمية .. عالية الجودة ، و يشعر فيه المواطن بقد كبير من الأمان و الاستقرار و رغد العيش الكريم ، وحدها ثقافة الرأي و الرأي الآخر و الفهم و الإفهام و الاتجاهات المتعارضة و تبادل التجارب و الخبرات ، بإمكانها أن تؤسس لعالم عربي موحد ، له مكانة محترمة تحت الشمس ، صحيح أن القارئ الكريم لهذه السطور قد ينعت الكاتب ، و من حقه ، بأنه يحلق في دنيا الخيال و الحلم ، بيد أن الأحلام الصادقة خير من إطلاق كلام غير مطابق لواقع مخصوص .

* باحث مغربي في قضايا الفكر والسياسة

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

أعداء الفن والفنانين

مخاوف تجاه الذكاء الاصطناعي.. نموذج الصين

أفريقيا في قبضة الموساد الإسرائيلي.. الجاسوسية بديل للدبلوماسية‎

تابعنا على