الشُّعُوبُ العربيةُ مُصِرّةٌ على التغييرِ

الشُّعُوبُ العربيةُ مُصِرّةٌ على التغييرِ

09 مايو 2019 - 13:23

إذا كانتِ الأنظمةُ العربيةُ التي اجتاحتْها الرياحُ الأولى للربيعِ الديمقراطي منذ 2011 ، قد تمكنتْ من الخروج " منتصرةً " على شعوبها ، عبر احتواءِ المطالبِ المشروعة بالانتقال الديمقراطي ، و إجهاض أحلام الشباب في إسقاط الفساد و الاستبداد ، عسى أن يكون الحراكُ الجزائري و السوداني الراهنُ مُنطلقا لتجسيد واقعِ جديد ، يقطع مع رموز النظام البائد ، و يؤسس لتجربة سياسية واعدة !

1 - لَمْ يخطرْ ببالِ كبارِ المُحللين السياسيين العربِ و الأجانبِ أنْ ينطلقَ الشعبُ العربي في اتجاه إسقاط أنظمتِه المهترئة ، بهذا الزخمِ و في هذه المرحلة التاريخية بالذات . خاصة و أن كثيرا من " المختصين " في قضايا الأمة العربية قد وصلوا إلى شبه يقين ، مفاده أن الشارعَ العربي قد انتقل إلى الرفيق الأعلى ، و أنه لا أمل في شعوب واجهت ألوانا من الهزائم العسكرية و الحضارية و هي صاغرة . إلا أن حادث محمد البوعزيزي ، ذلك الشاب التونسي الذي أضرم النار في جسده احتجاجا على تعرضه للمهانة القاتلة من قبل نظام بوليسي بغيض ، كان بمثابة تلك " النقطة التي أفاضت الكأس".

فانتشرت الشرارة لتعم مختلف الأقطار العربية التواقة إلى التغيير الجذري لواقع سوسيواقتصادي و سياسي متقادم منتهي الصلاحية ، بغية معانقة القيم الإنسانية الكونية الداعية إلى الديمقراطية و العدالة الاجتماعية و الحرية بمعناها النبيل . و غير خاف أن البلدان العربية – و منذ أن حصلت على " استقلالها " – لم تعمل من أجل الانضواء في كوكبة الدول الباحثة عن رفاهية شعوبها و خدمتها ، وجعلها ترقى في سلم التمدن و العصرنة ، بل إنها اجتهدت و بشكل منقطع النظير في حرمان هذه الشعوب من أبسط عناصر العيش الكريم ، تتساوى في ذلك الأنظمة الرئاسية و الملكية و الأميرية و الجمهورية مع اختلافات جانبية .. ما دامت تتقاسم نفس آليات الحكم الثابتة : الاستبداد و الفساد و القمع الممنهج .. منذ الأيام الأولى لاستقلال الدول العربية امتدت أيدي الأسر الحاكمة نحو خيرات البلد تستغلها كيف و متى شاءت دون حسيب أو رقيب ، تاركة الشعوب تواجه مصيرها الحالك ، على اعتبار أنها منذورة لرسالة خالدة : " تحرير فلسطين و إقامة الوحدة العربية " إلى غير ذلك من الشعارات " القوموية " غير الصادقة . فلا النظام العربي حرر فلسطين و لا هو وحد العرب في أي شكل من أشكال الوحدة . و لم يتبق أمام الشعوب العربية سوى الانتفاضة أو الثورة لاسترجاع حقوقها المغتصبة ، من يد حكام هرموا و لم يتخلوا عن كراسي الحكم .

2 - إن أهم ما يجب إدراكه في هذه المرحلة التاريخية الدقيقة ، هو أن جميع الشعوب العربية أضحت مقتنعة أكثر من أي وقت مضى بأن مصيرها بيدها ، و ليس بيد حكومات غير رشيدة لم تفلح سوى في تبديد المال العام و إضاعة فرص البناء الديمقراطي الفعال . و مصير الشعوب يعني من جملة ما يعني إقامة أنظمة سياسية عصرية و حضارية ، تتخذ من القانون المنطلق الأوحد لبناء حاضر و مستقبل بعيد عن القرارات الفردية و نزوات حكام في خريف العمر . لا مناص من الاستماع إلى نبض الشارع العربي الذي رسم منذ ثماني سنوات لوحات نضالية تطالب بالديمقراطية و الحكامة الجيدة و حرية التفكير و التعبير و إبداء الرأي ، و التوزيع العادل للثروة ووضع حد لاقتصاد الريع ، المتعارض و منطق العصر و التداول السلمي على السلطة المستندة إلى دستور يتناسب و مقتضيات القرن الواحد و العشرين ، حيث الفصل بين السلطات و الإعلام الحر، وتباري الأحزاب الوطنية الحقيقية حول برامج مجتمعية ملموسة في ضوء انتخابات نزيهة تلبي مطالب الشعوب العربية في الإقلاع الحضاري .

3 - و لعلنا في حاجة ملحة لما سبق و أن نادى به منذ السبعينيات من القرن العشرين محمد عابد الجابري الذي نستحضر الذكرى التاسعة لوفاته ، و الأمة العربية في أمس الحاجة إلى آرائه المتنورة و مواقفه الحكيمة أي : " الكتلة التاريخية " ، نعم ما أحونا كأمة عربية متجانسة جغرافيا و سياسيا و حضاريا ، إلى كتلة تاريخية متضامنة تشارك فيها كل الاتجاهات الأيديولوجية و السياسية و الدينية .. من أجل صياغة ميثاق جماعي بروح ديمقراطية بعيدة عن أي إقصاء أو استئصال ، فالوطن للجميع و ليس لفئة أو جماعة دون أخرى . و قد حدث شيء من ذلك إبان مواجهة الاستعمار الأجنبي ، ففي المغرب العربي على سبيل المثال لا الحصر ، زلزلت الأرض من تحت الاحتلال الفرنسي لما اجتمع المغاربة و الجزائريون و التونسيون على نفس الرؤى و الأهداف و الوسائل . فحري بالعرب الآن ، أن يعيدوا اللحمة إلى صفوفهم في هذه المرحلة المفصلية لإنقاذ وجودهم من التلاشي !

* باحث مغربي في قضايا الفكر و السياسة

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

أعداء الفن والفنانين

مخاوف تجاه الذكاء الاصطناعي.. نموذج الصين

أفريقيا في قبضة الموساد الإسرائيلي.. الجاسوسية بديل للدبلوماسية‎

تابعنا على