https://m.al3omk.com/442474.html

الطفل والمدرسة بالمجتمع القروي

دأبت المجتمعات الإنسانية على الاهتمام بأساليب التربية والتعليم، وإعداد النشء وجعلهم على وعي بمتغيرات الحياة، وبالنماذج السلوكية السائدة في محيطهم الاجتماعي، واكسابهم الأدوار والاتجاهات المتوقعة.

وفي هذا السياق عمل المجتمع المغربي على الإصلاح التدريجي لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وتوفير الظروف المناسبة، بغية تمكين المتعلمات والمتعلمين من مسايرة التمدرس بمختلف المناطق والمداشر، تفعيلا لمبدأ تعميم التعليم وتكافؤ الفرص والإنصاف…إلخ، ولا شك أن المدرسة مؤسسة أنشأها المجتمع، يقع على عاتقها مسؤولية إعداد وتربية الفرد، وتزويده بمختلف المعارف والمهارات التي تمكنه من مواجهة ظروف الحياة بكل عقلانية.

على هذا الأساس شهد فضاء القرية بالمجتمع المغربي، ولوج المدرسة مشفوعا بعدة شعارات كـ” تعميم التعليم، تشجيع التمدرس، محو الأمية، تنمية العالم القروي وتمكين أبناء المناطق النائية من تعليم جيد، وايلاء تميز إيجابي لأوساط القروية…إلخ”.

لكن بالرغم من كل هذه المبادرات، وإذا ما انتقلنا إلى الوسط القروي، فإننا نكتشف حجم المعاناة التي يعيشها الطفل القروي بفعل عدة عوامل، يبقى أبرزها بعد المؤسسة التعليمية وانعدام شروط التحصيل، كما أن المعرفة التي يتلقاها في المدرسة لا علاقة لها بواقعه المعاش، وهذا ما أشار إليه السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو Pierre Bourdieu وباسرون في كتابهما “إعادة الإنتاج”، عندما أكدوا بأن العملية التربوية {يسودها تمايز طبقي بين الأفراد، حيث أنها عملية مفروضة من طرف الفئات المتحكمة في المجتمع، وتهدف إلى إعادة إنتاج ثقافتها لتستمر في تبسيط سيطرتها على الأغلبية}.

إن هذا الفهم التبسيطي سايرنا لطرح بعض الأسئلة الأولية في انتظار توسيع البحث مستقبلا وهي:

– هل هناك اتصال أم انفصال بين الطفل القروي والمدرسة؟

– هل الثقافة والقيم السائدة في المدرسة، تنسجم مع القيم الثقافية للمجتمع القروي؟

– إلى أي حد تتلاءم المناهج والبرامج الدراسية مع الخصوصيات السوسيوثقافية بالمجتمع القروي؟

إن الملاحظ في الأوساط القروية المغربية هو الانشطار الحاصل بين الطفل والمدرسة، أي بين ما يتعلمه في المدرسة وما يعشه في حياته اليومية، ذلك أن البرامج الدراسية تتضمن محتويات بعيدة عن واقع التلميذ(ة) بين الفئات الشعبية في المراحل الابتدائية والمتوسطة، ومعظم المناهج تعالج قضايا تتنتمي إلى حياة الطبقة المسيطرة، وتغرس في الطفل المثل العليا السائدة لهذه الطبقة، والتي لا يمكنه علميا ولا واقعيا ممارستها في حياته اليومية، “يظل العلم مسألة نظرية لا يعالج واقع التلميذ(ة) في العالم المتخلف، ولا يتيح له الارصان العقلي لهذا الواقع”، مما ينتج عنه انفصام الطفل على المدرسة، التي تفرض عليه حالة من الاغتراب عن قضاياه المعاشة.

وفي هذا الصدد يقول الدكتور حجازي إن الطفل في المجتمعات المتخلفة “يلبس ثوب العلم في المدرسة، وثوب راعي الغنم والفلاح خارجها” (مصطفى حجازي 2016، التخلف الاجتماعي، دراسة في سيكولوجية الإنسان المقهور، ص ط 14).

إن المدرسة في المجتمع القروي يمكن اعتبارها، مدرسة متعالية على بنية هذا المجتمع، لكونها لا تحترم الخلفية البنيوية للطفل، وهذا ما يفسر عجز المدرسة عن تكييف نفسها مع واقع الحياة الموجودة خارج أسوارها. ولعلنا لا نبالغ في وصف النظام التربوي المغربي، بأنه نظام متردد، سمته انعدام التكافؤ والتمايز الجائر في توزيع التعليم بين المدن والبوادي، “فمؤسسات التعليم التي تخص أبناء البوادي لا تعطي تعليما كاملا، إنها مدارس تعيد إنتاج الأمية حول المعارف المتعلقة بالحياة اليومية وتصورات المجال “(العربي وافي 2005، أي تعليم لمغرب الغد، ص 70 ط1، الرباط).
أمام انعدام المساواة التعليمية فالطفل القروي ” يعتبر كمعاق ثقافيا، ما يستتبع عدم قدرته على مسايرة الدراسة “(مصطفى حدية 1991، الطفولة والشباب في المجتمع المغربي، قضايا تربوية وتنشئوية ص72). إن هذه المعاملات والتصورات القاسية تجعل الطفل القروي، يغادر صفوف الدراسة، أو يضطر لمسايرة التمدرس بدون وعي.

ومن العوامل المساهمة بقوة في تعميق الهوة بين الطفل القروي والمدرسة عامل اللغة، لما لها من ارتباط مباشر بالنجاح المدرسي، إن عدم الانسجام بين لغة التدريس ولغة الوسط الاجتماعي للطفل، تشعره بالغربة داخل المدرسة وتجعله فريسة للإخفاق الدراسي.

إلى جانب اللغة نستحضر المناهج والبرامج الدراسية، لكونها مناهج لا تستجيب لحاجات التلاميذ، ولخصوصيات المنطقة التي يعيشون فيها، بالإضافة إلى أنها مناهج لا تراعي قدرات المتعلمين، وفي هذا الصدد يورد أحمد أوزي “إنا كثيرا ما نهتم خلال وضع برامج المقررات الدراسية، بما ينبغي للتلميذ أن يتعلمه، والأمر الأهم هو التساؤل عما يمكن أن يتعلمه، فنحن نهتم بلائحة المواد التي ينبغي تعلمها، وقلما نراعي قدرات المتعلم(ة)، وقلما تساءل المدرسون عن أسباب عزوف التلاميذ عن دراستهم، وعجزهم عن المتابعة والاستمرار” (أحمد أوزي 2000، المراهق والعلاقات المدرسية، منشورات مجلة علوم التربية ص 112).

ترتيبا على ما سبق نذكر أن المدرسة، ينبغي أن تشكل للطفل مجالا حيويا لاستثمار توجهاته وميولاته الاجتماعية نحو اللعب والتعلم، إنها يجب أن تخلق تكاملا بين ما يدرس وما يعاش في الحياة اليومية، تجنبا للهدر المدرسي والفشل وعدم التوافق الدراسيين.

وفي الأخير نستطيع القول إن عدم ملاءمة أهداف التعليم ومضامينه سواء للطلب الاجتماعي أو التربوي، يجعل التلاميذ يفتقدون لدافع يربط بين حياتهم اليومية وبين ما يتلقونه في المدرسة، مما ينتج عنه مغادرة المدرسة، وهذا ما يضعه أمام خطر الاستبعاد الاجتماعي مستقبلا.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك