https://m.al3omk.com/454890.html

مسألة التعليم المزمنة بالمغرب

عقود من الاستقلال لم تحقق مبدأ ” توحيد المدرسة الوطنية.” وإقبار التعريب قرار سياسي انتصر لتوجه يحوّل التقسيم الاجتماعي إلى تقسيم لغوي وثقافي، وتناقض أيام الاستعمار بين الجالية الأجنبية والشعب المستعر، إلى تناقض بين النخبة الحاكمة ذات النفوذ وباقي الطبقات المحكومة المحرومة، ويعمق التبعية للإمبريالية المتوحشة.

يرتبط مجال التنمية بالمسألة التعليمية من حيث النوعية أو التعميم والانتشار و الجودة، استنادا إلى معايير التقييم والتصنيف الدولية للمجتمعات في سلم التنمية والتقدم للوضعية التعليمية في أي بلد، فمجتمع الغد إما أن تصنعه المدرسة أو لا يكون. وإذا كان التعلم من طبيعة البشر، فإن التربية هي ما يعطي لكل إنسان ثقافة تجعل منه كائنا ثقافيا. يقول إمانويل كانت (Emmanuel Kant): “إن الإنسان لا يمكن له أن يصبح إنسانا إلا عبر التعلم والتربية لأنه نتاج ما تفعل منه تربيته.”

ومنظومتنا التعليمية، رغم الجهود والميزانيات المبذولة في هذا الاتجاه، لم تتجاوز بعد وضعها كسلسلة مؤسساتية لتوليد المشاكل باستمرار؛ ذلك ما كشف عنه جدل ونقاش القانون الإطار( 17. 51 ) ، المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي الذي ظل مجمدا منذ خريف 2016 وتمت المصادقة عليه رسميا من طرف غرفتي البرلمان(2019)، وقبله جدل التدريس بالعامية المغربية(الدارجة). ما أروم تناوله في هذا التحليل ليس سطح القضية التعليمية والنقاش العقيم حول لغة التدريس بل النفاذ إلى لغز القضية، إلى حقيقة جوهر وتفاقم أبعادها، حفرا و تنقيبا عن الأهداف والمرجعيات الجاثمة وراءها، والعواقب المنتظرة، من جراء التطبيق على الأغلبية الساحقة من المغاربة الذين لا حظ لهم في الغنى والترف، اعتمادا على إنتاج مفكرين معروفتين بالنقد الجذري في الموضوع؛ المؤرخ والمفكر عبد الله العروي والمفكر محمد عابد الجابري، لأنهما حللا الموضوع بدقة بحثا عن أسباب الانحطاط وأسباب الانغلاق، كل بطريقته.

التعليم إشكالية لم تعرف طريقها نحو المعالجة

بلغ عدد برامج إصلاح القطاع منذ الاستقلال إلى اليوم، ما يناهز أربعة عشر إصلاحا، بمعدل محاولة كل أربع سنوات. غداة الاستقلال، تم إنشاء ” اللجنة الملكية لإصلاح التعليم” التي عقدت أول اجتماع لها بتاريخ 28/9/ 1957 وأقرت المبادئ الوطنية الأربعة: التوحيد والتعميم والتعريب والمغربة. وتعاقب عليه اثنين و ثلاثين وزيرا بمعدل وزير لاثنين وعشرين شهرا ونصف، ولم يحدث كما يقول الجابري:”أن أكمل فوج من التلاميذ برنامجا واحدا بعينه”، ليبقي المشكل قائما كما كان أو أكثر، لاعتماد الحلول الجزئية. انعقدت مناظرة معمورة عام (1964)، فمناظرة إفران الأولى( 1970) ثم الثانية (1978)، فاللجنة الوطنية لإصلاح التعليم في صيغتها الأولى في الثمانينيات، ثم في صيغتها الثانية بمساهمة البرلمان(1994)، وأنتجت اللجنة الخاصة للتربية والتكوين(1999)، فالميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي شرع في تطبيقه سنة2000 لتجاوز خطاب الأزمة، لكن تطبيقه شهد جملة من الإخفاقات، مرورا بتقرير “الخمسينية” ( المغرب الممكن) حول التنمية البشرية سنة (2005)، فتقرير البنك الدولي، منذرا الدولة بالمخاطر التي تهدد المنظومة سنة (2008) ثم تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين الصادر في نفس السنة (2008)، والذي أقر بالإخفاقات التي شهدها النظام التعليمي المبني على التخطيط من الأعلى تجاه الأسفل، وفقدان الجسور بين مختلف مكونات المنظومة، واعتماد التلقين، وضعف المردود، وفقدان الثقة في المدرسة لأنها لم تعد سبيل الارتقاء الاجتماعي، وسجل المساس بمجانية التعليم، وإدراج اللغة الأجنبية الأولى منذ السنة الثانية ابتدائي، والثانية ابتداء من السنة الخامسة، وتقديم الامتياز للتعليم الخاص على حساب التعليم العمومي. ودفع بالبرنامج ألاستعجالي 2009/ 2012 لمعالجة إخفاقات الخطة العشرية وتدارك مواقع الخلل بها، وإعادة هيكلة المنظومة على أسس سليمة انسجاما مع بعض المرجعيات والمواثيق الدولية ذات الصلة بقضايا التربية والتعليم، عبّر المغرب عن التزامه بها:” اتفاقية سيداو (CEDAW)المتعلقة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة” المعتمدة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة عام (1979)، “اتفاقية حقوق الطفل” المعتمدة سنة (1989)، الأهداف الستة حول التربية للجميع الصادرة عام (2000) عن المنتدى العالمي للتربية، والمعروفة بإطار عمل دكار حول ” التربية للجميع”، و”الأهداف الإنمائية للألفية” التي تعارف عليها زعماء العالم خلال انعقاد قمة الألفية للأمم المتحدة سنة (2000).”

يتفق الجميع على أن الإصلاح صيرورة مستمرة لا يمكن أن تتوقف تفاعلا مع تطورات المجتمع، لكن أن يتحول لصيرورة مستدامة (processus durable) استعصى حلها في حينها، يعود بلا شك إلى فشل تطبيق الإصلاح المقرر أو إلى تغيير في الجهاز التنفيذي، ويؤدي إلى إحداث تراكم الإخفاقات في قطاع استراتيجي، عليه يبنى تقدم المجتمع وتطويره. وضع يستدعي الوقوف مليا على المردودية المتواضعة فيما يتعلق بالتنمية البشرية التي يعاني منها الوطن، رغم جهود الإصلاح المتتالية، بالأخص بعد المصادقة على قانون الإطار17. 51، في ظل دستور 2011، الذي تهدف روح مقتضيات بنوده لمشروع مجتمعي يحدد التوجهات والاختيارات والمسارات الكبرى في جميع المجالات بناء على رؤية إستراتيجية للإصلاح (2015- 2030)، التي وضعها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي تحت عنوان: ” من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء.”

هذا المسار السيزيفي يطرح علينا أسئلة محرجة، جوهرها مدى نجاعة مسلسل إصلاح التعليم في الرهان الجوهري على تأهيل رأس مال بشري معرفي يساير مجتمع الحداثة: إلى أي حد روعي تكييفه مع النسيج الاقتصادي والاجتماعي؟ الأبعاد العميقة لأزمته التي تطغى على الحياة الاجتماعية والسياسية والأسس التي بني عليها؛ مضمونها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي؟ الفلسفة التربوية والمعرفية التي تشكل أرضيته؟ ما ذا تحقق بعد الانتقال من التدريس ببيداغوجية الأهداف (objectifs) إلى) بيداغوجية الكفايات(compétences)؟ وهل هناك خطة وطنية شاملة للمدرسة العمومية وللمنظومة التعليمية بصفة عامة؟ هل يمكن بناء الإنسان المواطن بتعليم عاجز على بناء مجتمع المعرفة؟ علما أن بناء المجتمع والوطن والدولة يمر عبر بناء الإنسان؟ وهل يمكن لأمة أن تنهض أو أن تجد لها مكانا في مصاف الدول المتقدمة خارج التدريس بلغتها الأم؟

إن الفهم الصحيح لمشكل التعليم يتطلب تعرية جذوره، والأبعاد العميقة لهذا المشكل المزمن الذي يطغى على حياتنا الاجتماعية والسياسية، والكشف عن طبيعة هياكله وحقيقة المضامين التي يحملها كما نقب عنها المفكر المناضل محمد عابد الجابري:” ثمة إذن مشكل مزمن في المغرب، هو بلا منازع مشكل المنظومة التربوية التي تعاني من اختلالات. والمشاكل أيا كان نوعها ليست بنت ساعتها، بل هي نتيجة عملية تطور ونمو: نمو الأجزاء في إطار نمو الكل، ونمو الكل من خلال نمو الأجزاء؛ معنى ذلك أن المشاكل، أيا كانت، لها تاريخ. ومن ثمة يغدو الفهم الصحيح لها إنما يبدأ بفهم تاريخ مولدها ونشأتها، وتتبع مراحل نموها وتطورها”. لم يكن الجابري يبحث عن الظواهر لأنها لا تعبر عن المشكل تعبيرا كاملا، اهتم أساسا بالإطار الذي نشأ فيه وبقي يتحرك في حدوده: “هناك حقيقة هامة يجب عدم التغاضي عنها وهي أن الاحتلال العسكري كان مصحوبا، بالاحتلال اللغوي والثقافي.” لقد بقي التعليم في المغرب كما خططت له الحماية تعليما خاصا بنخبة ضيقة جدا، تتكون أساسا من العائلات الأرستقراطية. كانت الوضعية التعليمية تعكس بصدق وأمانة الوضعية الطبقية. وهذا ما عشناه أيضا مع أنصار التعليم “بالدارجة” العامية المغربية الذي لقي معارضة شعبية، وأوقف تطبيقه الخروج التاريخي للمفكر عبد الله العروي على إحدى الشاشات التلفزونية لمواجهة مخططات الفكر النخبوي، حرصا على مصلحة الوطن العليا.

فرنسة التعليم مشروع مسيس

كل مجتمع يعرف مشكلة لغوية، إنما الفرق بين مجتمع وآخر، هو مقدار الوعي بها، ومقدار الجدية والهمة في معالجتها، اللغة مرآة تنعكس فيها أحوال الثقافة والحضارة، ومشكلها هو مشكل التخلف، ولا يُتصور تقدم حضاري، يبقى معه مشكل اللغة قائما على الحالة التي نحياها اليوم، فإما أن يُحل وإما أن يُهمل نهائيا. يقول العروي:” كانت منظومة التعليم من زاوية التاريخ الثقافي، بحكم انتمائها إلى أنظمة التربية التقليدية، أحد أجهزة النظام السياسي وأدواته الإيديولوجية بامتياز.” حاول الاستعمار جادا أن يقصي اللسان العربي من حقل الحياة العامة، باعتباره وعاء الوجدان القومي، يقول هاردي (Hardy) مدير التعليم بالمغرب:” إن القوة تبني الإمبراطوريات، ولكنها ليست هي التي تضمن لها الاستمرار والدوام. إن الرؤوس تنحني أمام المدافع، في حين تظل القلوب تغذي نار الحقد والرغبة في الانتقام، يجب إخضاع النفوس بعد أن تم إخضاع الأبدان.”

استمرار سيادة اللغة الفرنسية على حساب اللغة القومية مساس بالسيادة والاستقلال الوطني، واستمرار طرق وقوالب تفكيرها لدى كثير ممن ينتمون إلى عالم الثقافة والإدارة والاقتصاد والسياسة يستهدف الشخصية الوطنية، لأن روح شعب من الشعوب تتجلى أول ما تتجلى في لغتها القومية، ذلك أن الثقافة الوطنية لا تتحدد من حيث الشكل لا بالأرض، ولا بالموقع الجغرافي، ولا بالأصل العرقي، وإنما تتحدد أساسا باللغة. وليس من السهل أن يتعود المرء على حرفين مختلفين كما يقول العروي، الباحث في التاريخ واجتماعيات الثقافة. لنعد لاختيار”الطابع التوفيقي” للمبادئ الأربعة في التعليم الذي أقر في جو المعارك “الصامتة” حفاظا على وحدة الصف. كان الهدف منها لجم صراع “النخبة” القيادية والسكوت عن المشاكل الحقيقية واجتناب طرحها على العموم. كان هذا هم البورجوازية “العصرية” التي ظلت تقوم بدور الوسيط للرأسمالية الغربية وتسير في ركابها اقتصاديا وإيديولوجيا. الهدف من ورائها التوفيق بين مصالحها ومصالح الأرستقراطية التقليدية، بشكل يضمن، في الوقت نفسه، ولاء الجماهير الشعبية المحرومة. فأتت لتعبر عن أمر واقع فرض نفسه. ولا تصلح منفصلة لأن تكون أساسا لسياسة تعليمية جدية وإنما هي حلول توفيقية وسطى بين الاتجاهات السائدة وتعكس أمرا فرض نفسه كما يقول الجابري:”إنها مبادئ تكرس التعدد والازدواجية وتفسح المجال واسعا للتراجع عن التعريب بدعوى مغربة الأطر أولا، وعن التعميم بدعوى انخفاض المستوى بسبب التعريب، وعن التوحيد بدعوى فتح المجال للمدارس الحرة والتعليم الأصلي ليساهم كل منهما في “تعميم” التعليم، مما يهيئ تعليمنا لأن يبقى دائرا في حلقة مفرغة، متخبطا ذات اليمين وذات الشمال، كما حدث بالفعل، وما زال يحدث الآن. والنتيجة الملموسة هي رجوعه إلى ما كان عليه أيام الحماية، أي استمرار كونه تعليما للنخبة.”

كل المغاربة مع التعدد اللغوي والانفتاح على اللغات الأجنبية الأكثر تأثيرًا وتداولًا وأهمية في البحث العلمي، لكن المسألة حاليا سياسية بالأساس، قبل أن تتحول إلى قضية ثقافية أو لغوية أو تاريخية أخلاقية، سلاح مسابقة بين النخب والقيادات، بعيدا عن تغليب روح الوطنية، ولا تملك مخيلة وبعد نظر وضبط النفس، وقدرة على التخطيط؛ بحيث يكون المردود كبيراً في نهاية المطاف، و:”النخبة الحالية كما المسيرة لدواليب الدولة كما وصفها العروي أقل وطنية…إما جاهلة وإما لها تعريف آخر للوطنية”. يسجل التعليم تراجعا مستمرا في السنوات الأخيرة على الرغم من محاولات الإصلاح الكثيرة التي باءت بالفشل. وبدلا من معالجة أزمة التعليم وهي بنيويةً مرتبطة بغياب إرادة سياسية حقيقية تسعى لتجعل من التعليم سلّما للترقية الاجتماعية، اختار البعضُ توجيه سهام النقد إلى اللغة العربية، وتحميلها مسؤولية الفشل الذي يلاحق المدرسة المغربية كالظل. فمرة يُلجأ إلى “الدارجة”، العامية المغربية، بديلا عن العربية في التلقين والتدريس، وكأنها الوصفة التي يمكن أن تحمل الحلّ لمشكلات التعليم المزمنة، علما أن التدريس باللغة العربية منصوص عليه دستوريا، ومن الحقوق التي ينصّ عليها الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، ذلك أن التلقين بها يساعد على الاستيعاب والفهم أسرع وأحسن من استعمال لغاتٍ أخرى.

صمت المعركة حفاظا على وحدة الصف

بعد ستين سنة من الاستقلال وميزانيات كبيرة مرصودة، لم نفلح في بلورة الخطوط الإصلاحية في سياق رؤية شمولية لمنظومة التربية، وانتهاج سياسة تعليمية جدية، لمدرسة وطنية. لازال التوافق واللجوء إلى التكتيك والحلول الوسطى، والظهور بمظهر الانسجام والسكوت عن المشاكل الحقيقية، واجتناب طرحها للعموم هو الحاسم، وكأننا في مغربين لا مغرب واحد، مغرب للفقراء ومغرب للأثرياء المخمليين!!! فموقف المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المؤسسة الدستورية التي عهد إليها بنص الدستور بلورة التوجهات الكبرى لإصلاح التعليم، بحكم مكوناتها المتباينة، عملت بنسق توافقي على صيغة لإصلاح المنظومة كلها. والمصادقة على القانون الإطار(17. 51 )معناه الشروع في التدريس باللغة الأجنبية في المواد العلمية والتقنية في كل المستويات، إلى جانب تدريس مضامين أو مجزوءات مواد أخرى غير المواد العلمية والتقنية باللغة الأجنبية، وهي اللغة الفرنسية بالأساس، بمعنى اختفاء التعريب بتوقيف قطاره وإنهاء مساره إلى الأبد. و التعريب كما عبر عنه العروي “ظاهرة اجتماعية نشأت عن الاحتلال الأجنبي حيث أصبح اللسان الدخيل عنوان التقدم والعلم والأناقة بديلا للسان الأصلي، سمة كل ما هو بلدي متخلف. وكان للدعوة إليه مغزى سياسيا واضحا. إنها دعوة إلى الوحدة الوطنية ومحاولة لإيقاف تيار خطير يحول التقسيم الاجتماعي إلى تقسيم لغوي وثقافي. فالتناقض الذي كان موجودا أيام الاستعمار بين الجالية الأجنبية والشعب المستعمر يتحول إلى تناقض بين النخبة الحاكمة، ذات النفوذ الاقتصادي، وباقي الطبقات المحكومة والمحرومة. وفي هذا الوضع ما فيه من تبعية اقتصادية وسياسية للمجتمعات الرأسمالية المتقدمة.” مؤدى هذا المسلسل أن مشروع التعريب، الذي قادته نخب وطنية كافحت لعقود طويلة ضد الاستعمار وسياساته، تبدو كما لو أنها انتهت إلى الهزيمة، إذ أوقفت قطاره وأنهت مساره المادة 31 منه. واستمرار حضور الطابع النخبوي الاستعماري للتعليم وثقافته في بلادنا، يتمثل في مظاهر عديدة أخطرها ضرب التعليم العمومي الذي يؤطر الأغلبية الساحقة من أبناء المغاربة، والدعم اللامشروط للتعليم الخصوصي الذي يضرب المدرسة العمومية في الصميم، ويتعارض مع المجانية وتكافئ الفرص وتعميم التعليم. وقد أبدت الأمم المتحدة قلقها من خطورة تنامي مؤسسات هذا التعليم، وذلك بعد أن دقّت جمعيات ومنظمات مغربية ناقوس الخطر، إثر إغلاق 191 مؤسسة تعليمية عمومية (حكومية) بالمغرب ما بين عام 2008 و2014، فهل يعقل رهن مستقبل المغرب لتطلّعاتِ أقلّيّةٍ ٍ تخدم مصالحَها ومصالحَ السياسات الفرنكفونيّة في البلاد؟ وتاريخيا العدو الرئيس للاستعمار هو القطاع العام وإدارات الدول الوطنية له. وقد شرع في تفكيكه منذ إقرار سياسة التقويم الهيكلي 1983.

تسييس اللسان مرفوض وإصلاحه مطلوب

أصل مشكل اللغة كما تم توضيحه هو أن الاحتلال العسكري للمغرب كان مصحوبا بالاحتلال اللغوي والثقافي. وتطور الوضع نفسه في صورة جديدة لمنطق الحماية، يكتب العروي، يوم 10 فبراير 2002 نصا يعكس نفس الوضع في الألفية الثالثة:” يتنامى الدور الثقافي للبعثة الفرنسية …يشجعون الإنتاج بالفرنسية، سيما النسوي، يعيدون الاعتبار للكتاب الأوائل مثل الصفريوي والشرايبي، ينظمون معرض طنجة على غرار معرض بيروت. يشجعون الاتجاه القومي العربي في الجزيرة والخليج ويعاكسونه في مصر وبلاد الشام والمغرب. والوزارة المغربية تهتم بهذه القسمة، تهتم بالتأليف العربي وتترك للسفارة التأليف باللغة الفرنسية. صورة جديدة لمنطق الحماية”.

اللغة جزء من ذاتية الفكر ومن كيان الأمة، هي الفكر في حد ذاته والوجدان في حد ذاته والثقافة في حد ذاتها، وهي حسب عالم اللغة الألماني(Gunther Ipsen):” الروح الحقيقية للأمة، وتشكل عالما خاصا بها، تكشف فيه عن نفسها. والأمة هي “ال نحن” الذي يعي نفسه في اللغة ويتواصل بواسطتها.” والتحكم في اللغة شرط لاستيعاب الخطاب والتواصل والتعبير، وتمّلك المعرفة والثقافة، وبناء الشخصية والانفتاح على الآخرين، وبناء رأسمال معرفي غني متنوع ومنفتح. وتحسين المستوى اللغوي هدف في حد ذاته ووسيلة لتحسين كفايات أخرى لدى المتعلمين النوعية والأفقية. هي أداة تحليل تنبئ عن أعراض غائرة في حسم العروبة. الحرف واللغة والثقافة كل منسجم، لكن إذا كان التشبث بالحرف تشبث بالثقافة والخصوصية والانتماء، وكل محاولة تغيير أو إصلاح تؤدي إلى الفرقة والعزلة والتفريط في تراث عظيم، كما تعني الانفصال عن مجموعة بشرية تعد سندا وحمى، فإن: “النظرة السكونية إلى اللسان أيضا، ليست سوى انعكاس للفلسفة الماورائية، تظهر لنا بديهية ما بقينا متعلقين بالماورائيات، لأن مسايرة اللسان للتطورات الاجتماعية والتحولات التاريخية واقع قائم بالنسبة لكل مجموعة بشرية ولكل فترة من فترات حياتها”( العروي). و مثلما نطالب بإصلاح وسائل الإنتاج وقانون الملكية والعائلة والتربية، نطالب في الوقت نفسه بإصلاح اللسان = (لغة مضبوطة القواعد). اللسان المعرب الحالي لا يوفر، حسب كل القرائن، وسيلة للتعبير دقيقة ومرنة، ولا يساعد على خلق ثقافة عصرية علمية جماهيرية في وقت وجيز، لكن هذا لا يعفينا من توحيد لغة التلقين والتأهيل والتهذيب، تعريب اللسان وتعريب المفاهيم في إنتاج الفكر والمعرفة. واعتماد الفصحى في كل ما هو فكري، فحصي، تأملي، رمزي، أكان أدبا أو فلسفة أو علما أو تقنية، والتدريس بها في المدرسة والبحث العلمي ضرورة ملحة، حتى يتسنى للطالب أن يبدع ويتألق، وينتقل إلى إنتاج العلم والفكر والمعرفة، المرحلة الأهم، لا أن يكتفي باستيعاب العلم فقط، لأن الهروب من الواقع غير ممكن، بل المفروض التعامل معه بواقعية وتبصر. والواقعية تفرض استكمال التحرر بتحرير اللغة وبناء عالم الغد، وهما مسألتان مترابطتان. أما التمسك بالفرنسية في الوقت الذي تجاوزها الفرنسيون أنفسهم لتراجعها على الصعيد العالمي وفي المنظمات والمنتديات الدولية، إلى الإنجليزية، لغة الاقتصاد والتكنولوجيا الأكثر تداولا واستعمالا، فضلا عن تعلّم اللغة العربية لتحقيق الإقلاع في شتى الميادين، فيعني بالنسبة للسياسيين رفع اليد وترك الأمور تجري على العادة.

ما هو مبرر اعتماد الفرنسية بديلا للإنجليزية؟ في كتاب “من ديوان السياسة” حيث ناقش العروي مشكل الحركة الأمازيغية يقول: واللغة عملة. بعضها محدود وبعضها واسع الرواج. من يتكلم الأمازيعية فقط كمن يملك نقود سوس. من يتكلم العربية المغربية كمن يملك دراهم حسنية. من يتكلم الفرنسية أو الإسبانية كمن يملك الفرنك أو البسيطة قبل وجود “اليورو” ومن يتكلم الإنجليزية كمن يملك الدولار. واضح ماذا يستطيع أن يقتني كل واحد من هؤلاء. مطلوب منا أن نملك كل هذه العملات، لكن هل باستطاعتنا؟ وإذا لم يكن، فالنتيجة الحتمية أن يتجزأ المجتمع تجزئة جديدة؛ التساكن ضرورة: تساكن اللسان المعرب واللهجات في الحياة اليومية، ومزاحمة لسان أجنبي للسان المعرب في المدارس والجامعات. والتعايش ضرورة قائمة لكن على أي أساس؟ على أساس العملة الأكثر انتشارا وقبولا، اللغة الملازمة لتلك العملة، وهي الإنجليزية. نعيش اليوم تراجع اللغة الفرنسية كلغة للبحث العلمي في العالم وتبوء اللغة الإنجليزية مراتب الصدارة. جميع المغاربة مع الانفتاح على اللغات الأجنبية الأكثر تأثيرًا وتداولًا وأهمية في البحث العلمي، لكن ليس كبديل للغة العربية الفصحى سيما وقد تم اعتمادها في هيأة الأمم المتحدة:” إن الثقافة المغربية المعاصرة لا يمكن أن تعبر عن ذاتها إلا باللغة العربية” (العروي)، الحاملة لقيمها لغة لها وضع اعتباري لدى المسلمين، وتحتل الصدارة في لغات الإسلام . ومشكلة التعريب لن تجد حلها الصحيح إلا في إطار ثورة اجتماعية وثقافية شاملة، تستهدف تعريب الشخصية المغربية بكامل أبعادها وبمختلف مظاهرها، لا مجرد تعريب الألفاظ والمصطلحات، لأن التعريب يعني بعث اللغة القومية، وتجديد أساليب الفكر والعمل، وتحقيق التغيرات الجذرية للعثور على حلول ملائمة كالعيش في المجتمع الواسع الذي تسوده قيم الانتماء الروحي والقومي وقيم المواطنة والحقوق الإنسانية.

لم يكن استقلال المغرب نتيجة ثورة ، ولا وليد حرب تحريرية طويلة الأمد، وإنما كان نتيجة حلول توفيقية وسطى، كانت إجهاضا لثورة في طور المخاض، فبقي النزيف يغذي المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلى اليوم. الشيء المؤكد هو أن الوضعية العامة تتطلب ضرورة ثورة ثقافية كما أكد العروي حينما اشتكى من البؤس الثقافي منذ الستينيات. المنظومة التعليمية كصناعة إستراتيجية لتأهيل الرأسمال البشري لمواكبة مستجدات العصر التي أحدثتها الثورة العلمية والتقنية وثورة الاتصالات، تتطلب وضعيتها اليوم القيام بثورة ثقافية واسعة شاملة وتستلزم حلولا جذرية أصيلة، لكن هل يمكن القيام بهذه الثورة الثقافية والعثور على هذه الحلول الجذرية في ظل أوضاع لم تتحقق فيها الثورة الاجتماعية والتغييرات الجذرية الضرورية؟ كما يرى الجابري. لم تبلغ مخرجات المدرسة المغربية الحد الأدنى للمعايير المعرفية والعلمية: مهارات التفكير التحليلي والتركيبي والنقدي، ومهارات الإبداع وحل المشكلات، ومهارات تدبير المواقف، مهارات رئيسة للتفاعل مع مجتمع المعرفة والمشاركة في اقتصاد المعرفة. ومعضلة التعليم هي عجزه عن خدمة التنمية وتحقيق تماسك النسيج الاجتماعي وترسيخ الإحساس بالانتماء إلى المجموعة الوطنية، وبناء القيم على أسس عقلانية وحداثية، وتيسير الاندماج الاجتماعي والاقتصادي، والاستجابة لمتطلبات سوق الشغل، والانخراط في مجتمع المعرفة المعولم. ويتطلب الأمر بناء قوّة ذاتية تنهي عناصر الضعف التي أتاحت للاحتلال أن يحدث أصلاً، إذ لا يمكن لأمة أن تنهض أو أن تجد لها مكانا في مصاف الدول المتقدمة إلا بالتدريس بلغتها، وإعطائها أكبر حصة في المدرسة والبحث العلمي حتى يتسنى للطالب أن يتألق خلقا وابتكارا.

التعليم قضية المجتمع، وزمنه ليس هو الزمن العادي بل هو زمن المستقبل، وليس شأن وزارة فحسب ولا هو خطط إستراتيجية تنفرد بوضعها جهات مهما كان تخصصها بعيدا عن المجتمع وهمومه وحاجاته، بل هو نشاط اجتماعي بالأساس، يؤثر فيه المجتمع ويتأثر به، والمفروض استفتاءُ الشعب في مسألةٍ مصيريّةٍ كمسألة السياسة اللغويّة التي سترسم للوطن في أفق العشرين سنة القادمة تقريبًا، أو عقد مناظرة وطنية حول لغة التدريس في المدرسة المغربية لأن حل المشكل اللغوي هو نصف رهان الجودة في المنظومة التعليمية، ومدخل أساس لاسترجاع الثقة في المدرسة العمومية، أو فتح نقاش في المدار العمومي حيث يتم التواصل والإبلاغ، وحيث التجمهر والتشاور حول إشكالية الجودة في نظام التربية والتكوين الذي ينتج الفجوة القائمة بين الواقع والمأمول، ولتوضيح المسكوت عنه.

علاقة إصلاح اللسان بالتحديث

عندما نتكلم عن اللغة فإننا نطرح قضية تخص شعبا معينا وتتعلق بالدرجة الأولى بالهوية الوطنية أو القومية لهذا الشعب. اللغة مقوم أساس للوحدة العربية بجانب الدين والماضي المشترك، لغةَ الهويّة والحضارة والكينونة القوميّة. وهي التي تبني الدولة، وتمثّل الهويّة الثقافيّة والحضاريّة. ونحن كعرب لم نع بعد دورَ اللغة في تشكيل الأمّة، ولم نفهم أن سيطرة اللغة الأجنبية هي واحدة من الأمور التي تزيد في ضعفنا وهشاشتنا، وأن الاستقلال الحقيقي يبدأ بالاستقلال اللغوي كما هو معلوم. والتجارب كلها تدل على أن الدول التي نهضت إنما نهضت بلغاتها، ولن تجد دولة حققت تقدما في سلم التنمية، تعلم أبناءها بلغة غير لغتها الرسمية الوطنية. ولغة العلم في الوطن العربي من الخليج إلى المحيط لا يمكن أن تكون إلا باللغة العربيةالفصحى، لأن أية لهجة داخل الوطن العربي لا تستطيع أن تتحول إلى لغة علمية تطال اللغة العربية التي هي وحدها القادرة على الاحتفاظ بالتعددية وتجاوزها. والحاجة الملحة اليوم لمقاومة الغزو الكاسح الذي يمارسه على مستوى عالمي إعلاميا وبالتالي ثقافيا وإيديولوجيا المالكون للعلم والتقانة، المسخرون لهما لهذا الغرض، لا تقل عن الحاجة إلى التحديث، وذلك باكتساب الأسس والأدوات التي لا بد منها لدخول عصر العلم والتقانة كفاعلين مساهمين لا مجرد مستهلكين. لغتنا محكومة ببنى تقليدية لم تترك بعد لبنى حديثة قادرة على أداء وظيفة البنى القديمة في الحفاظ على الهوية والخصوصية، وقادرة في نفس الوقت على استيعاب الجديد على مستوى العلم والتقانة. في هذا الإطار، ألح العروي في دراسة مقارنة حول اللغة على قبول فكرة الإصلاح في نطاق المنظومة اللغوية العربية، بديلا عن اعتماد الازدواجية السياسية التي تحافظ على لسان محنط لتكسب قدرا من الشرعية، وتفتح المجال لنشر لسان أجنبي لتحقيق قدر من التحديث، ولا تصل إلى الحداثة، وتترك الحرية للهجات لتضمن قدرا من الاستقرار الداخلي”. هذا التعامل النفعي مع اللغة ،يجب القطع معه يقول:”من الواضح أنه لا بد للعرب أن يفكروا بكيفية حديثة مع أنفسهم وبلسانهم لا مع غيرهم فقط وبلسان الغير، لأنهم إذا لم يفكروا بكيفية حديثة كان نشاطهم غير اقتصادي. القرار قومي بامتياز وأمر خطير، لا تقدم عليه إلا سلطة واثقة من شرعيتها، مطمئنة على مستقبلها.” ويقدم أربع قرارات، تمثل مجتمعة، وجها من وجوه الثورة القومية الشاملة: التوحيد/ النمو الاقتصادي/ التنظيم الاجتماعي/ الإصلاح اللغوي. والسؤال الجدي هو: فأي لسان يساعد على تحديث الفكر العربي؟ اللسان المعرب الموروث الجامد، أم لسان المستقبل الذي سيتطور بعد اتخاذ قرارات الإصلاح اللازمة؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.