https://m.al3omk.com/454894.html

الذاكرة المحلية معبر نحو العالمية

اطلعت على فيديو نشره الكاتب المغربي الحبيب الدايم ربي في موقعه الخاص تحت عنوان “ثقافة الاعتراف”. وأشاطره الرأي فيما قاله خاصة وأن الأمر يهمني أيضا كباحث في التاريخ والتراث المحلي لمنطقة ابن أحمد ـ امزاب. بل إن هناك جنودا وحراسا ومدافعين عن الذاكرة المحلية في مختلف مناطق المغرب يعملون بنكران ذات ويبذلون مجهودات جبارة لنفض الغبار عن تاريخ المغرب من خلال روافده المتعددة ومن ثم يحتاجون للدعم والاعتراف.

وقد تجاوب القراء مع طرح الأخ الحبيب إلا أن ما أثارني لهو ما كتبه أحد القراء رمز لاسمه بحميد شكيب. والذي حسب ما فهمت من بين سطور كلامه أنه يفضل على ثقافة الاعتراف ثقافة الجحود والنكران. فهذا القارئ يعتبر أن الكتابة في الشأن المحلي تبقى محلية. وهذا في رأيي خطأ كبير، فالكتابة عن المحلي لا تعني أنها محلية التداول وهي لم تكن يوما ما كذلك، وإلا اعتبرنا أن ما دبجه العلامة المختار السوسي حول سوس غير معروف في سائر المغرب وفي غالبية أقطار المعمور. لذا ينبغي التمييز بين الكتابة عن المحلي وتداول المكتوب سواء أكان عن المحلي أم عن غيره. ذلك أن ما يتعلق بالمحيط المحلي كتاريخ وثقافة وذاكرة وشخصيات ومبادلات هو من الأهمية بمكان ويحظى في الغرب باهتمام كبير من الباحثين والطلبة. بل لقد خلقت له شعب تكوينية في الجامعات والمدارس العليا. ولا نستغرب اليوم إن وجدنا أن الكتب التي تصدر في المغرب في هذا الموضوع متوفرة بمراكز البحوث الأجنبية والمكتبات الوطنية في فرنسا وإنجلترا وأمريكا.
ما أثارني أيضا في التعليق المذكور هو أن صاحبه يتحدث بلهجة وثوقية وقطعية ونهائية، حينما يطلب من ذ. الحبيب أن يتخلى عن الاهتمام بمدينته ويكتب فقط الرواية. وأخال أن الأخ الدايم أحس بثقل المسؤولية وواجب الذاكرة حينما كتب كتابين مائزين عن منطقته الأول حول “سيدي بنور الإنسان والمجال”، والثاني ببليوغرافيا حول الطاقات الأدبية والفنية بدكالة. ذلك أن مثل هذه البحوث أدخلها شخصيا في الأعمال الشاقة ولا يمكن أن ينجزها إلا من له قريحة وغيرة وطنية. وإلا فلماذا ليس هناك مثلا كتاب آخر عن سيدي بنور أو عن آزمور مثلا. وشخصيا أعتبر نفسي الوحيد الذي كتبت عن منطقة امزاب بمجهودي الخاص ودون دعم من جهة بالرغم من انتماء عدد من الكتاب لهذه المنطقة، ولهم باع طويل في ميدان التأليف وربما يرجع ذلك لشح المادة المعرفية من حيث المخطوطات والأرشيفات العمومية أو الخاصة وصعوبة الحصول عليها، لأن التنقيب عن ذاكرة المجال وتدوينها، يضفي عليه نوعا من الاستمرارية عرفانا بموروث القدامى وحفظه من الضياع والاندثار.

أما الملاحظة الثالثة فقول القاري أن على الكاتب أن يسجن نفسه في تخصص معين. وهذا غير موجود أصلا ومستحيل الحدوث : فالراحل زفزاف كتب في القصة وترجم مسرحيات، وصدوق نور الدين كتب في النقد والمجال التربوي، وشعيب حليفي كتب عن الشاوية إلى جانب تخصصه، والجويطي كتب تاريخ تادلا، ومحمد صوف يكتب القصة والسيناريو والسينما ويترجم من الفرنسية والإنجليزية، والعربي بنجلون يكتب في النقد وأدب الأطفال والببليوغرافيا، وعبد الكبير الخطيبي كتب في علم الاجتماع والرواية والشعر والوشم والزربية المغربية، ومحمد الناجي كتب في التاريخ والاقتصاد والعبودية وسيرة النبي، وحسن نجمي كتب الشعر والرواية والمقالة بالإضافة إلى البحث في الموروث الثقافي والفني . خلاصة القول أن حرية الكاتب تتمثل في حقه في أن يكتب ما يشاء دون أن نحاسبه على ما يجب أن يفعله وما لا يجب، علما أن الباحث المغربي هو في الأصل متطوع بجهده وماله ومعرفته.

أما القول عن “دفاتر الجديدة” التي يقوم بنشرها الكاتب والباحث المصطفى اجماهري بكونها “لا يحتفي بها إلا أهل المدينة والمغتربين من يهود ونصارى” فهذا يعني أنها نجحت في أن تخلق لها قاعدة من القراء من داخل المغرب ومن خارجه وهو ما عجزت عن تحقيقه كتابات غيرها. كما أعتبر أن عبارة “نضب معينه” تشي بنوع من العدوانية والاستفزاز، علما بأنها ليست صحيحة قطعا كما جاء في رد الحبيب الدايم ربي الذي أشار إلى صدور رواية ومجموعة قصصية جديدتين للكاتب المعني.

الملاحظة الرابعة هي القول بأن الكتابة المحلية هي “للاستمتاع بنوسطالجيا هاربة”. أرتاح شخصيا لكلمة “استمتاع” على اعتبار أن الكتابة الجيدة هي من تحقق “لذة النص”. إنما الكتابة المحلية قد تتضمن أحيانا بعض النوسطالجيا ولكن ليست كلها كذلك. فحين يكتب إبراهيم كريدية عن آسفي، وعمر لخضر عن الصويرة، والدايم ربي عن سيدي بنور، واجماهري عن الجديدة، وعلال ركوك عن منطقته، وحسن أميلي عن المحمدية وعبد الباسط لكراري عن سطات ومحمد الغازي عن قبيلة بني مسكين، فليس كل ما يكتبونه نوستالجيا،علما بأن النوستالجيا جزء من الذاكرة. إذ وكما هو معروف فقد كان الأجانب في الفترة الاستعمارية هم من يكتب عن مدن المغرب وقراه وحان الوقت للاهتمام من طرف المغاربة بهذا الجانب المنسي أو المهمش كما كان يقول الراحل الخطيبي.

وفي الأخير يبدو لي أن صاحب الملاحظة متفائل بمسألة القراءة في المغرب. ونعلم جميعا أن أغلبة المغاربة لا يهتمون بالقراءة. وإذا قرأوا فلا يشترون بل يطلبون المجان. والإحصائيات متوفرة في هذا المجال عن ضعف القراءة. ومؤخرا صرح الناشر عبد القادر الرتناني بأن المكتبات في المغرب لا تعتمد سوى على ترويج الكتاب المدرسي المضمون تسويقه. وكلنا يلاحظ يوميا في محيطه القريب أن لا أحد يقرأ القصة ولا الشعر. ومؤخرا قال الصديق محمد صوف أنه في اللقاءات القصصية لم يعد يلاحظ حضور الجمهور بل بعض القصاصين ممن يحضرون فقط من باب التضامن مع صديقهم صاحب المجموعة المعروضة. ويمكن الرجوع إلى رسالة القاص أحمد بوزفور الذي رفض جائزة المغرب لعدة أسباب من بينها أنه لم يبع من مجموعته سوى مائتي نسخة من مجموع ألف. وإذا كان بوزفور بوضعه الجامعي وأقدميته في الكتابة وباعه الطويل لم يبع سوى هذا العدد الضئيل فما القول في غيره من الأجيال الأخرى والتي لا تتوفر كتبها أصلا بأية مكتبة.

* باحث في تاريخ امزاب

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.