في الحاجة إلى مسيرة وطنية جديدة ضد البطالة والعجز الاجتماعي
https://m.al3omk.com/472338.html

في الحاجة إلى مسيرة وطنية جديدة ضد البطالة والعجز الاجتماعي

المعضلة الاجتماعية في تفاقم مستمر، و على السلطات العمومية أن تأخذ الأمور بجدية أكبر، لأن الحقيقة هي أن فئات واسعة من الناس تئن من وطئة الفقر و التهميش الاجتماعي، و من ضغط البطالة التي تضرب الشباب بقوة، حتى يكاد أن يكون كل بيت مغربي محتضنا لشاب عاطل أو اثنان أو ثلاثة. و هذا غير معقول، و غير ممكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، بدون التفاتة مادية ملموسة تعيد الأمل لهؤلاء الشباب و لعائلاتهم، و تثنيهم عن التفكير في الهجرة عبر القوارب في استهتار كبير بحياتهم بحثا عن كرامة معيشية لم يدركوها هنا.

خلال هذا الأسبوع، شاركت كمهتم بمواضيع الحكامة والهندسة الاجتماعية، في برنامج إذاعي تفاعلي مع المستمعين حول موضوع “الهجرة السرية” التي لها أسباب وأبعاد اجتماعية واقتصادية كثيرة. و قد كانت فرصة لأستمع، مرة أخرى، لمواطنين و شباب، اتصلوا بكل أدب و عبروا بكل تحضر و كياسة، عن الأوضاع الاجتماعية المأساوية التي تعيشها الأسر التي تفقد أبناءها من جراء ظاهرة الهجرة السرية، أو الشباب الذين خاضوا هذه التجربة بكل أهوالها. وقد كانت أقوالهم و كلماتهم تدمي القلب، و تدفع للتساؤل كيف يمكن أن يوجد بيننا من يعتبر 2000 و 3000 درهم كافية ليعيش كريما و يؤسس أسرة، و يسترجع الأمل في الحياة و لا يهاجر سرا لأي مكان في العالم، و في نفس الوقت نرى الفوارق المادية الصارخة في المجتمع، و نسمع عن استمرار العجز عن تعبئة كامل الضرائب المستحقة للدولة، و نقرأ عن أخبار هدر المال العمومي في عدة مؤسسات و إدارات؟ ألم يحن وقت التأسيس لنموذج اجتماعي جديد قوامه التزام السلطات العمومية بربط المسؤولية بالمحاسبة، و توفير آليات عصرية لتكريس التضامن وحفظ كرامة المهمشين و الشباب حتى لا يصرخوا بأنهم “محكورون” ؟

أمام استمرار عدم توفر التقدير السياسي لدى الفاعل الحكومي كي يبادر إلى وضع ميكانيزمات مادية ملموسة للتنفيس ولو نسبيا من ضغط وضعية بطالة الشباب، أتسائل صراحة هل يفهم كل المسؤولين المعنيين ماذا يعني أن يكون في البيت شاب قد حصل على ماستر أو إجازة، أو باكلوريا، أو دبلوم مهني، وصرفت عليه أسرته مالا كثيرا، لكنه الآن عاطل بلا شغل؟ هل يستوعبون دلالات تلك الوضعية على تمثل المهمشين لذواتهم، و لمحيطهم و وطنهم؟ هل يدركون ماذا نحن بصدد إنتاجه من نماذج لجيل “مواطنين جدد” لا يشبهون في شيء من سبقهم من جيل، لا على مستوى العلاقة بالغير، و لا في مسألة الموقف من الوطن و مؤسساته، و لا الموقف من القانون و القيم والهوية الثقافية و الوطنية ؟

وضعية عطالة الشاب تعني أنه لا زال عالة على أسرته، و هو الذي كان يحلم “باش يهز الحمل على والديه” ، و “يعاون الوالدة و الوالد و باراكة عليهم من الشقا”. وضعية تعني أن الشاب العاطل لن يجلس في مقهى الدرب إلا إذا أعطاه أبوه عشرة دراهم من بين الخمسين درهما التي قد يوفرها في اليوم. و تعني أنه لن يستطيع أن يتزوج حبيبته، و لا أن يحققا أحلامهما بأبناء و عيش كريم. و تعني أنه لن يذهب إلى طبيب الأسنان، و لا إلى طبيب العيون، و لا إلى مختبر التحاليل الطبية، لأنه لا قبل له بتكاليفها. و بسخرية المتألم سيقول: لا تهم كل تلك الأمور الباهظة التكلفة، ما دام لدينا “العنبر” و “الثوم” و “سكينجبير”. و سيكتفي بتلك المواد لتهدئة الألم متى أحس به. أما التحاليل الطبية فلا داعي لها، خصوصا و أنها قد تجلب له فقط أخبارا غير سارة عن أمراض دفينة، و من الأحسن أن يبقى الوضع “مستورا” كما هو عليه، و “لا عين شافت لا قلب حزن” إلى أن تأتي الموت، فهي على الأقل أرحم، تأتي فتنزع الروح و تذهب بها إلى حيث الرحمة غالبة على كل شيء.

يمكنني أن أستمر في توصيف ما لا يستطيع الشاب المعطل أن يفعله، و يمكن أن أسرد عشرات الأشياء التي ربما لا يعرف دلالات الحرمان منها، من ليسوا محرومين منها. و لربما قد يكون البعض بعيدين عن فهم التبعات النفسية لكل ذلك البؤس، و حري بهم، إذن، أن يستحضروا أن البيئة الفقيـرة تعشش فيها جيوب العتمة والعـزلة، والعنف الرمزي، وقسوة العجز المادي. كما يمكن أن يتفاعل فيها، مع مرور الأيام والأشهر والسنوات، ما لا يمكننا إدراكه وتلمس تجلياته من خارج سياق الحالة السوسيولوجية موضوع البحث، إلى أن ينفجر فجأة بشكل غير متوقع، و يصبح من المفروض علينا تدبير تبعات ذلك.

ما يحدثه الفقر والبؤس الاجتماعي من أشياء قبيحة تدمي القلب و تبكي العين، يزلزل النفوس الضعيفة و يخرجها من سياقات السلوكيات الإنسانية الطبيعية، بشكل يصير مدمرا إذا تقاطع مع المخدرات، أو مع دينامية الإجرام، أو مع مسار فهـم مُغرض لقيمنا الدينية الأصيلة، بفعل شخص دخيل مغرض، أو محرض من وراء شاشة حاسوب من مكان ما في العالم، له “كفاءات تواصلية وتحريضية” تؤهله للتأثير في كل “مقهور” أو “مكبوت” أو “محروم” في هذه “الدنيا الفانية”. و سواء أكانت المخدرات أو الإجرام أو غيرها من الانحرافات، لن يحتاج أصحاب المسعى التحريضي المنحرف بذل مجهود كبيـر في مسعاهم أمام من أصبحت بنيته النفسية مخلخلة، و صار عقله غارقا في البؤس الاجتماعي والثقافي والمادي، و أصبح وعيه خارجا عن سياق الزمن الذي يعيش فيه، و بات معزولا عن ديناميكية المجتمع المحيطة به. آنذاك، تصبح العدوانية، في حق نفسه أو تجاه أقاربه أو تجاه الغير، أو تجاه الوطن بشكل عام، هي أقرب السلوكات أمام تجليات الحياة التي لم يتمكن الشاب المهمش من أن ينخرط فيها بشكل عادي و طبيعي، و أن يصير مقبولا اجتماعيا بين أقرانه.

ومن هذا المنطلق، وأمام حقيقة وضع أزمة اجتماعية متكلسة، في الوسطين الحضري والقروي، أعتبر أن على القطاعات الحكومية المعنية أن تقتبس مفهوم “الفعل الاستباقي” الذي تتميـز به المصالح الأمنية في بلادنا، في مواجهتها لعدة مصائب و مخاطر محدقة، و هي مشكورة على ما تقوم به بمهنية عالية، و ستستمر في مجهودها بدون شك. لكن من الواجب دعمها بتطوير العمل في ما هو من اختصاصات قطاعات اجتماعية و اقتصادية عمومية أخرى، على مسؤوليها أن يعملوا لإيجاد حلول مبتكرة لمعظلة التهميش و الفقر، و يفوا بمسؤولياتهم أمام المواطنين.

وإذا كان واجبا التنويه بتحسن ترتيب المغرب في مؤشر مناخ الأعمال، إلا أن ذلك لا يخفي حقيقة أن المؤشرات الاجتماعية تبقى مقلقة جدا. كيف لا، و نحن نرى أن تحسن مؤشر مناخ الأعمال لم يكن له أثر على جلب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، و على مستوى ثقة الرأسمال الوطني ليستثمر بالقوة اللازمة، و على رقم المقاولات الصغيرة و المتوسطة التي تفلس سنويا فتغلق أبوابها و تسرح عمالها. لذلك، يقتضي الواجب، بكل سرعة، أن تنخرط كل المصالح الحكومية المعنية بتقديم الخدمات و القيام بالوساطة الاجتماعية لفائدة الفئات المهمشة ماديا ومجاليا، بأسلوب تدبيري “استباقي”، من خلال اقتحام فضاءات العتمة، و الغوص في أحزمة البـؤس، وتطوير آليات فعـل اجتماعي تأطيري هـادف ومحتـرف، يقوم على مرتكزات أساسية، منها : ضرورة تهيئة شبكات حماية اجتماعية تشتغل بالقرب من الناس لمقاربة حديثة تجمع بين الاجتماعي و النفسي؛ و العمل على الإلمام بمشاكل التهميش و رصد أسبابها؛ و تحديـد مداخل لمعالجة تلك المشاكل بمقاربة تشاركية مع المعنيين وإلى جانبهم ؛ و إعداد جذاذات و ملفات تقنية بشأنها والترافع عنها ؛ و رصد الاعتمادات الضرورية لذلك و حسن تدبيرها و ترشيد أوجه صرفها ؛ و تأهيل الرأسمال البشري العامل في تلك القطاعات ؛ و ترتيب أوجه التدخل الناجع لحل المشاكل بأسلوب استباقي وعاجل ؛ و التواصل الجيد، باحترام لذكاء المواطنين، كلما تمكنا من تحقيق إنجازات حقيقية.

لبلادنا من الطاقات و الكفاءات ما تستطيع به تسريع إعادة هيكلة الآليات المؤسساتية العمومية المتخصصة في محاربة التهميش و الفقر، و توفير مواكبة للشباب في التكوين والبحث عن فرص شغل، بشكل أفضل مما هو قائم اليوم. و لا معنى لأي تأخر إضافي في تنزيل ميكانيزمات جديدة للربط بين استراتيجيات التكوين المهني و انتظارات السوق. كما لا معنى للتأخر في وضع إطار جديد لتمويل مشاريع حاملي الشواهد، بشروط محفزة، بعد إخضاعهم للتكوين الجاد في التدبير، و مواكبتهم في مشاريعهم بعد إنشاءها، خصوصا بعد أن طالب بذلك بإلحاح شديد عاهل البلاد جلالة الملك.

إن إعادة النظر في السياسات العمومية لمواجهة ما تعانيه فئات كثيرة من تهميش، ضرورة منطقية و تدبيرية و تاريخية لا محيد عنها. و يستدعي ذلك رفع أداء المرافق الحكومية المعنية بالتشغيل والمواكبة الاجتماعية، و التجند لتحقيق تأهيل اجتماعي شامل، بنموذج تنموي جديد، و بحكامة شفافة تتأسس على الابتكار والتطوير في أساليب العمل، و على فتح مناصب المسؤولية العمومية لأبناء الوطن جميعهم على أساس الكفاءة و الاستحقاق، حتى يستفيد الوطن من كفاءاتهم و حيويتهم و رغبتهم في المساهمة الجادة.

بدون تردد تستوجب حالة التوتر المجتمعي أن تتأسس مسيرة وطنية جديدة جامعة نواجه بها البطالة و العجز الاجتماعي، من خلال فرض احترام القانون على الجميع، و “اللي فرط يكرط”، و وقف العبث في تدبير المال العام، و في تسيير مجموعة من الخدمات العمومية. كما يقتضي ذلك، تدخل الدولة بكل قوة لمنع التعاطي مع مشاكل البلاد بشعبوية وبمقاربات سياسوية بليدة، و بتخندق حزبي بئيس لا يمكن أن يجلب شيئا آخر غير الغضب من السياسة و من الشأن العام، و التنكر للمكتسبات الوطنية، و استمرار مزيد من الرغبة في الهجرة السرية، و شيوع القلق الوجداني المتفشي في صفوف الشباب، و أشياء أخرى لا فائدة فيها و لا أمل يرجى منها إلا هدر إضافي للوقت و للفرص و للإمكانيات. واقعنا يمكنه أن يصبح أفضل بشرط استحضار المسؤولية المشتركة، و استحضار أن شبابنا هم ثروتنا الأولى، و أن هذا الوطن هو تاج رؤوسنا و رأسمالنا الأسمى، و على الجميع الدفاع عنه عبر إصلاح ما فسد.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.