بعد كل عام فلاحي صعب .. ماذا ينتظر الفلاحون الفقراء من الدولة؟

بعد كل عام فلاحي صعب .. ماذا ينتظر الفلاحون الفقراء من الدولة؟

04 مارس 2020 - 19:32

بالإضافة إلى كل ما يحمل من الأثقال ذلك الفلاح، المواطن البسيط، الذي يعيش على فتات الأرض وخشخاشها، حيث انهيار سقوف اقتصاد الأسرة الفقيرة إلى ما دون الصفر، ينضاف هذه السنة إلى الأثقال المنتظرة المشؤومة، موسم فلاحي جاف ونذرة للمياه تخطف القلوب، كما يخطف الموت فريسته.

وثالثة الأثافي وصول الوباء العالمي كورونا إلى المغرب، غير عابئ بما تحمله الوضعيات الاجتماعية الخطيرة من سوء وعلات لا نظير لها على الإطلاق.

السنة العجفاء التي تطل علينا، بعد انحباس التساقطات المطرية طيلة الشهور القليلة الماضية، دليل آخر على فظاعة واقع الفلاح الصغير وأسرته التي كانت ولا تزال تعتاش على مردوديات ضعيفة جدا، ترتكز على الأسواق الأسبوعية والغلال الموسمية، والمنتوجات المحلية اليسيرة.

سيضطر الفلاحون المهمشون في الأرياف والمداشر والقرى البعيدة، إلى إعادة تدوير علاقتهم بالحياة الشظفة، وترقيع يوميات البحث عن الماء وغلة الرزق، بعد أن تنفذ كل مدخرات الصبر وانتظار ما لا يأتي في زحمة الخسائر التي قد تأتي على أقل القليل مما يملك، رؤوس أغنام وأبقار عجفاء وبعض تين ناشف!

الأمر لا يحتاج لكثير تفكر، هناك مشكلة قائمة منذ عشرات السنين، أننا في كل مرة نستسقي ونرفع أكفنا للباري عز وجل، وهذا واجب ديني وأخلاقي. لكن قساوة تحليل الظرفية الاقتصادية لكل موسم فلاحي يحتاج منا الذهاب بعيدان في اتجاه تفكيك وإعادة تحليل رؤيتنا للواقع. فالاعتعماد على التساقطات كل سنة هو تكريس للوضعية، وتجريف لكل البدهيات الاقتصادية والعلمية القائمة على البحث في الحلول والمستجدات، وتغيير المواقع والاستراتيجيات، وإعمال العقل وتنظيم الاختيارات.

الفلاحون الذين يعولون على انتعاش طفرة الزراعات البورية سئموا من الاقتراض والتهميش وتحويل كل مجهوداتهم إلى ريح صرصر عاتية، لا يد لهم فيما هم مقبلون عليك، من الضنك والشدة والبؤس وطول الانتظار.

والذي يزيد الطين بلة الأرقام المخيفة التي تترجم تراجعات خطيرة في نسبة الملء بحقينة السدود إلى ما دون ٤٥ في المائة عوض ٦٥ في المائة خلال نفس الفترة من العام السابق. وهو ما يكرس المزيد من الهبوط والنقصان على مستوى فرشاة المياه الجوفية، بما فيها الآبار والوديان والعيون النابعة ..إلخ.

ويزيد الأمر سوءا عندما يتعلق الوضع بمنظومة فلاحية متسلسلة، فنقصان المياه، هو واحد من أسرار ارتفاع فواتيره، وغيابه هو غياب افتراضي لكل ما يرتبط به بعيدا أو قريبا، كالمواد العلفية، التي ستشهد في الأيام القليلة القادمة زيادات صاروخية، ،لا تتماشى ومداخيل المنتجات الفلاحية المتدهورة أساسا، حيث أن مربي الماشية ومنتجو الحليب يدقون ناقوس الخطر بعد التأكد الصريح من أن وضعية قطاعهم على حافة الإفلاس، مما بنذر بخسائر كبيرة للفلاحين عامة والكسابة منهم بصفة خاصة، الشيء الذي ينعكس بداهة بشكل سلبي على الأسعار لجميع أنواع المواشي و اللحوم.

كثيرا ما نقرأ معطياتنا الفلاحية، على أساسات بنائية غير مندمجة، فالوضع المناخي ببلادنا الذي يتسم غالبا بالجفاف وقلة سقوط الأمطار ونذرة المياه، هو موصوف هيكلي، وإدارة أزماته لا تتفاعل والمعطيات العلمية، بالجاهزية الكافية والتخطيط العقلاني، بل تكون ردود الأفعال القائمة من قبل القطاعات الوصية مرتبطة بالأفق الضيق والتبخيس النظري، وهو ما يجر علينا نفس تداعيات الموجات السابقة، التي ارتكنت إلى الصمت، واحتجبت عن دراسة المآلات والاعتبارات التي من شأنها تحميل بدائل وقطعيات التغيير واستدراك الأخطاء، من أجل عدم الوقوع فيها من جديد.

لا يجادل أحد في أهمية القطاع الفلاحي ببلادنا، لكن هذا المعطى لا يمكن تأجيل إعادة بنائه وترقيته، في الاتجاه الذي تكون فيه عملية التصحيح تروم رد الاعتبار للفلاحين الصغار، الذين غالبا ما تجعلهم الدولة حطبا مشاريعها الفاشلة، بدءا بما ادعته في الكثير من مخططاتها الخضراء والصفراء، من أنها تمنحهم فرصة تجسيد هذه التنمية في فلاحاتهم التضامنية، أو عبر تقييدهم بمجموعة من الالتزامات والعقود التافهة، التي تستنزف قدراتهم ومدخراتهم، في مشهد سوريالي، لا يخفى على كل لبيب عاقل. بعدها تجدهم يلهثون في المحاكم ويستنجدون مخافة وضع اليد على أراضيهم، على الرغم من صغرها وتفاهة قيمتها أمام آلاف الهكتارات التي تستنزف باسم القانون، و"على عينك آبن عدي!".

فمن يعيد الاعتبار للفلاحين المهمشين الذين ينتظرون ساعة رحمة السماء وسقاية التراب من آفة القحط والخسران؟!

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

من إعلام الديماغوجية.. إلى إعلام البيداغوجية

هل تنقصهم الشجاعة أم تنقصهم الوطنية !

هل الإعدام سيُعيد لنا الطفل عدنان؟

تابعنا على