العالم الإفتراضي وآفاق المثاقفة
https://m.al3omk.com/508907.html

العالم الإفتراضي وآفاق المثاقفة

لا يختلف اثنان في أن العالم الإفتراضي يعرف إقبالا متزايدا في نسب الولوج، إذ اصبح ملاذا لكل متعطش للمعلومة بمختلف تلاوينها، سواء الثقافية منها أو الإجتماعية أو السياسية أو الإقتصادية، إنه ذاك العالم الذي حلت فيه القيم الكونية الشمولية محل القيم الخصوصية المحلية سواء بفعل “المثاقفة” أي ذاك التبادل الثقافي المتكافئ الذي تغلب عليه سمة التسامح و احترام الآخر و تقبل الإختلاف، أو بفعل “التثاقف” أي التلاقح القسري بين الثقافة المهيمنة كطرف فاعل مؤثر لامتلاكها كل وسائل صناعة المحتوى و تسويقه وكذا وسائل الإنتاج بالتعبير الإقتصادي الرأسمالي، وطرف آخر مستلب مهيمن( بفتح الميم) عليه يمارس عليه كل أنواع العنف الرمزي عبر المعلومة، و سنفصل في عرض الفروق الموجودة بين المفهومين و التحديات التي يطرحانها.

ü فماذا نعني بالعالم الإفتراضي وما حدود تأثيره في الثقافة؟

ü ما الفرق بين التتاقف و المثاقفة و ما مفهوم الثقافة باعتبارها الجذر؟

ü ما طبيعة التحديات التي يطرحها التبادل الثقافي في العالم الإفتراضي؟

من المؤهلات و المهارت التي لا غنى عنها بالنسبة لإنسان القرن الواحد و العشرين مهارة الإستعمال الإيجابي و الفعال لوسائل الإتصال الحديثة و في مقدمتها الشبكة العنكبوتية، نظرا لإقتحامها بشكل ملفت لحومة مجتمعاتنا، إذ لم تترك لنا أي خيار غير اللحاق بركب المبحرين في هذا العالم المسمى تجاوزا بالإفتراضي (virtual world) والذي عرفته موسوعة ويكيبيديا بأنه محاكاة حاسوبية عادة ما تكون في صورة بيئة ثنائية أو ثلاثية الأبعاد. و هذا العالم بالطبع يلجه مستخدمين بشخصيات توصف بالإفتراضية تتعامل مع تلك البيئة الرقمية بكل ما تستلزمه من مقومات كالدقة و المرونة و الإنفتاح، و بالتالي فهامش التبادل و التواصل في هذا الفضاء يكون واسعا، و الحديث هنا عن أشخاص هو حديث بالضرورة عن ثقافات، و نعني بالثقافة في هذا السياق مختلف جوانب الحياة الإنسانية التي يكتسبها الإنسان بالتعلم لا بالوراثة، و يشترك أعضاء المجتمع بعناصر الثقافة تلك التي تتيح لهم مجالات التعاون و التواصل. وتمثل هذه العناصر السياق الذي يعيش فيه أفراد المجتمع، و تتألف ثقافة المجتمع في جوانب مضمرة غير عيانية مثل المعتقدات و الآراء و القيم التي تشكل المضمون الجوهري للثقافة، ومن جوانب عيانية ملموسة مثل: الأشياء، و الرموز و غيرها*.

و لو أردنا أن نوجز و نجمل في إعطاء تعريف جامع لهذا المفهوم المتشعب و العصي على الإحتواء لقلنا إن الثقافة هي ذلك الكل المركب الذي يحيط بالإنسان بكل أبعاده الأنتروبولوجية و الذي من خلاله يحقق هذا الإنسان ذاته. أما مفهومي التثاقف و المثاقفة و المشتقين من الثقافة فيحيلنا الأول (التثاقف) على تلك العلاقة التي تجمع بين ثقافتي العبد و السيد و هي أيضا العلاقة التي تجمع بين ثقافة الإنسان المستعمر (بكسر الميم) و ثقافة المستعمر (بفتح الميم) أي في نهاية الأمر العلاقة التي تربط بين ثقافة الأنا وثقافة الآخر، وهذه العلاقة العمودية بين هذين المتناقضين؛ يكرسها الطرف الأقوى عبر ترسانته الإقتصادية و التكنولوجية و العسكرية*. أما مفهوم المثاقفة فيحيلنا على تلك العلاقة الودية الأفقية التي تحكي عن حاجة الإنسان الطبيعية للإحتكاك و التبادل مع الأخر دون دافع غريزي أو ايديولوجي للهيمنة عليه، بل تكتنف هده العلاقة مجموعة من القيم من قبيل الإحترام و التسامح والإعتراف بخصوصية الآخر و اختلافه. بعد هذا البسط المفاهيمي يتحتم علينا إيضاح طبيعة التحديات التي تطرحها الثقافة في العالم الإفتراضي.

إن الحديث عن الثقافة في العصر الراهن هو حديث عن موضوع شائك و بالغ التركيب، و يزداد تركيبه عند ربطه بوسائل التواصل الحديثة و لإيضاح ما يطرحه من تحديات لابد من وقفة مع النسب المهولة لمستخدمي الشبكة العنكبوتية حول العالم إذ كشف تقرير أمريكي أن هذه النسبة تجاوزت 3,8 مليار شخص سنة 2018 متجاوزا بذلك نصف سكان الكوكب، و أضاف تقرير”bond internet trends” الصادر عن شركة “بيركينس كوفيلد” و “بيرس” الأمريكيتين أن عدد المستخدمين عرف ارتفاعا بنسبة 6% مقارنة بالعام 2017، و في ذات السياق تربعت الصين في المركز الأول في عدد المستخدمين حيث بلغت %21 تلتها الهند ب %12، و الولايات المتحدة ب %8، و من تم فالإمعان في هذه النسب المهولة لمستخدمي العالم الإفتراضي تحيلنا على مدى اقتحام المد الرقمي للثقافات و الشعوب على نطاق واسع، و أضحى المجال الأبرز لكل أشكال التدافع السياسي و الإقتصادي و الإجتماعي و الغلبة في هذا المضمار تكون من نصيب الاكثر إنتاجا و تسويقا لمؤهلاته فهذا التدافع تجاوز كل الحدود في التعامل مع ثقافة و قيم الآخر، لاسيما إذا كان هذا الآخر هو العالم الثالث الذي طالما كان رمزا للإستلاب في شتى المجالات، ولا أسعى هنا لإعادة إنتاج اطروحة الصراع بين الدول على خلفية دينية أو حضارية فقط كما ذهبت إلى ذلك العديد من الدراسات، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر أطروحة صراع الحضارات لصامويل هانتغتون، إنما الصراع يحتمل تأويلات أخرى لا نملك فيها خيار تغييب إرادة الهيمنة الإقتصادية كعامل مركزي في هذا الصراع الذي تغاضى عنه هانتنغتون بحصره لمحركات الصراع في حقبة النظام العالمي الجديد في عوامل حضارية ودينية محضة. إن الحديث في موضوع الثقافة في العالم الرقمي حسب تقديرنا هو حديث عن طرفين، طرف مهيمن يمرر قيمه وثقافته بكل السبل الممكنة بغض النظر عن مكنون هذه القيم و ماهيتها، على حساب طرف آخر مستهلك لا يملك أمامه أي خيار آخر غير استقبال ما يصرفه الطرف الأول، ما يجعله مطرحا للثقافات المهجنة بداية بتنميط الاذواق و المأسسة لنظام التفاهة -بتعبير آلان دونو- من خلال تصريفه لثقافة منحطة، و انتهاء باستباحة الخصوصية الثقافية للدول و الشعوب تحت غطاء العولمة و الإنفتاح، فكما قال الزعيم الهندي الماهاتما غاندي “لا بأس إن فتحت النوافذ لتدخل الرياح الأجنبية شريطة ألا تقتلعني من جذوري”.

v هوامش

*كتاب علم الإجتماع/ انتوني غدنز ترجمة و تقديم فايز الصياغ

* د.سمير بشة أستاذ و محاضر في الفنون