في قراءة جديدة للحالة الوبائية بالمغرب: السؤال وأزمة اليقينيات

في قراءة جديدة للحالة الوبائية بالمغرب: السؤال وأزمة اليقينيات

22 أبريل 2020 - 20:50

"فيروس كورونا كمثل الأحداث الميتافيزيقية تعيد ترتيب العلاقة مع "المحسوس" بما هو كذلك، وذلك بأن تتجرّأ لأوّل مرة على الدخول في علاقة تكنولوجية مع "اللاّمرئي" بوصفه جزءا لا يتجزّأ من مادة الكينونة في العالم كما تنفعل بها أجسامنا. إنّ المحسوس لا يوجد خارجنا، لأنّ "الخارج" الأنطولوجي لا وجود له". ـ فتحي المسكيني ـ

ترتفع بؤر الإصابات بالفيروس كورونا المستجد، في التصاعد على مستويات تشهد انزلاقات خطيرة، ترتبط بعدم اتخاذ التدابير اللازمة والإجراءات الاحترازية الصحية المعمول بها، طبقا لقرارات المسؤولين الحكوميين، خصوصا في التجمعات العائلية ووحدات الشغل التجاري والصناعي، والأسواق التجارية الخاصة، وقبل ذلك العشوائية منها. فقد أكد محمد اليوبي، مدير مديرية علم الأوبئة ومحاربة الأمراض بوزارة الصحة، على أن الحقائق المرة التي نعيشها، بين آمل بتراجع ارتفاع أعداد المصابين، ومتابع لمشاكل تدبير المرحلة، أن 114 حالة مؤكدة بفيروس كورونا خلال الـ24 ساعة الماضية سجلت في بؤر عائلية ووحدات تجارية وصناعية.

والشيء بالشيء يذكر، حيث إن الأرقام المعلنة من قبل الجهة الرسمية، تؤكد تصاعد هذا المنحى، بعد تسجيل 136 إصابة مؤكدة جديدة بفيروس كورونا المستجد خلال الـ24 ساعة الماضية، ليرتفع العدد الإجمالي للمصابين بالفيروس في المغرب إلى 2024 حالة.

والذي يوثق هذا المنحى، ويعقد الوضعية الحالة الوبائية ببلادنا، إصابة "114 حالة من أصل 136 المسجلة تم اكتشافها في محيط حالات أخرى، وبالخصوص بؤر ظهرت في بعض الوحدات التجارية والصناعية وفي وسط عائلي لدى بعض الحالات"، ما يؤكد انتظارات سلبية أخرى في مضمار تحليل الأرقام التي بين أيدينا.

يمكن التمثيل هنا بالحالات الوبائية الجديدة التي سجلت على مستوى الدار البيضاء ومراكش وفاس ومكناس، حيث تلتئم النظرية الرسمية بالوقائع المسجلة تحت أنظارنا، دون أن نحرك ساكنا.

هواجس كثيرة ستستبد بنا، خصوصا إذا علمنا أن بؤرا وبائية تتمدد بفعل الجهل المركب للعديد من أصحاب المصانع والمحلات التجارية، الذين يستمرون في خرق أنظمة التدبير المعلنة؟

من جهة أخرى تستمر مقاربة، التتبع الدقيقة ل "12191 مخالطا؛ ضمنهم 5338" ما زالوا إلى الآن تحت المراقبة الصحية، بينما تم تسجيل 879 حالة مؤكدة في صفوف هؤلاء المخالطين من أصل 2024 حالة المسجلة بالمملكة، وهو ما ينتج عناصر تشكيك في الحصة المائوية للصحاب النتائج المخبرية المنتظرة، وتكييفها مع سياقات تأطير الحالة وإعادة صناعة الأمل من جديد.

يجب الاعتراف مبدئيا بجهود الدولة في الحد من تداعيات الجائحة، وهو ما يبدو واضحا وجليا في الاستراتيجية المتبعة، على أعلى مستوى في البلاد، انطلاقا من سلة الاجراءات الاحترازية المتخدة في ذات الشأن، ومرورا بالقضايا المهمة المرتبطة بمحفزات المواجهة المعنية، يمكن التذكير هنا بسلسلة كرونولوجية من قرارات الدولة، كصندوق تدبير جائحة كورونا، ووتعويض الأجراء بالمؤسسات غير المهيكلة، وإعفاء مكتري الأحباس، وانتهاء بالنقاط القريبة جدا من واقع الصحة، التي أبانت أطقمها الطبية، عن وطنية وعمل دؤوب غير مسبوقين، ثم استمرار تأهيل المختبرات الجهوية في لعب أدوار طلائعية لتحسين أداءات التحاليل المخبرية وتبسيط إجراءات خضوعها للزمن والفعالية.

وفي هذا الإطار أصبح للمختبرات المرجعية للتحليلات، في مدن محورية كمراكش وآكدير والرباط وفاس، بالإضافة طبعا إلى مختبر باستور بالدار البيضاء ومختبرات المستشفيات العسكرية، ومختبرين تابعين إلى مؤسسات طبية شبه خاصة، أهدافا دقيقة ورؤى حاسمة في القابلية والجاهزية للتدبير المحكم والاستثنائي.

وبناء عليه، فالأرقام الرسمية المعلنة لحد كتابة هذه السطور إيجابية، فيما يخص مجموع التحاليل المخبرية، التي أجريت، حيث وصلت إلى 730 تحليلة طبية بمجموع التراب الوطني؛ بينما بلغت الحالات المستبعدة، بعد تحاليل مختبرية سلبية، 8626 حالة منذ بداية انتشار الفيروس بالبلاد، وإلى حدود الساعة السادسة من مساء اليوم.

هناك نظرية تقول عن استمرار الشك، حتى يتبث العكس. وهو ماذهب إليه الفيلسوف إدغار موران، في حوار أحري معه مؤخرا، قال (سرعان ما أدركنا أن هؤلاء العلماء دافعوا عن وجهات نظر مختلفة جدًا وأحيانًا متناقضة، سواء حول التدابير التي يجب اتخاذها، أو العلاجات الجديدة التي يمكن أن تستجيب للطوارئ، وكذلك العقار الذين يجب اعتماده للعلاج، أو طول مدة التجارب السريرية… كل هذه الخلافات تثير الشك في أذهان المواطنين).

ولكن المنطق يفرض أن عدم اليقين قد يؤدي إلى الفناء السيكولوجي، لأن الأحوال تتغير بالطريقة التي يمكنها من تأمين احتياجاتنا المعنوية قبل المادية.

وهو نفس المنحى الذي أقر به إدغار موران، في نفس سياق السؤال البدهي، "ماذا يمكن أن تشكل عدم اليقينيات؟"

حتما، فجوابه الشافي يغنينا عن تشويه منطق الحياة : ( يجب أن نتعلم قبول عدم اليقينيات والعيش معهما، في حين أن حضارتنا قد غرست فينا الحاجة إلى مزيد من اليقين بشأن المستقبل، غالبًا ما يكون وهمًا، وأحيانًا يكون تافهًا، فعندما نقوم بوصف بدقة ما سيحصل لنا في عام 2025! فيجب أن يذكرنا هذا الفيروس بأن عدم اليقين لا يزال عنصرًا منيعًا في الشرط الإنساني. لن تتمكن جميع التأمينات الاجتماعية التي يمكنك الحصول عليها من أن تضمن عدم إصابتك بالمرض أو أنك ستكون سعيدًا مع عائلتك ! نحاول أن نحيط أنفسنا بالحد الأقصى من اليقين، لكن العيش هو التنقل في بحر من الشكوك، من خلال جزر وأرخبيلات اليقين الذي نشكل إمداداتها..).

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

من إعلام الديماغوجية.. إلى إعلام البيداغوجية

هل تنقصهم الشجاعة أم تنقصهم الوطنية !

هل الإعدام سيُعيد لنا الطفل عدنان؟

تابعنا على