نوابغ مغربية: ابن المؤقِّت.. عالم موسوعي غزيرُ التأليف وإصلاحيٌّ في جُبَّةِ مؤرِّخ

15 مايو 2020 - 18:00

تميز المغرب عل مدار تاريخه ببزوغ شخصيات نابغة أبدعت في مجال تخصصها وأسهمت في بناء الإدراك المعرفي للمجتمع وشحذ الهمم والارتقاء بالوعي الجمعي، كما رسخت عبقرية المغاربة بتجاوز إشعاعها حدود الوطن، ومنهم من لا تزال إنتاجاتهم العلمية والمعرفية تُعتمد في الحياة وتدُرس في جامعات عالمية.

هم رجال دين وعلماء ومفكرون وأطباء ومقاومون وباحثون ورحالة وقادة سياسيون وإعلاميون وغيرهم، منهم من يعرفهم الجميع وآخرون لم يأخذوا نصيبهم من الاهتمام اللازم، لذا ارتأت جريدة “العمق” أن تسلط الأضواء على بعضهم في سلسلة حلقات رمضانية بعنوان “نوابغ مغربية”، لنكتشف معًا عبقرية رجال مغاربة تركوا بصمتهم في التاريخ.

الحلقة الثامنة: محمد بن المُؤَقِّت المراكشي .. إصلاحيٌّ في جُبَّةِ مؤرِّخ 

يُجَسِّدُ بَعض الأعلام المغاربة علامة فارقة في سياقٍ ومجالات وميادين معيَّنة، ويُحْدِثون الفارق بما يَهَبُهُم الله من مزايا ومهارات وفُرص، يُحسِنون استثمارها فيجعلون لشخصياتهم ذِكْراً في الـمُجايِلين والآخِرين.

مِن بين هؤلاء؛ العالم والمؤرّخ والفقيه المالكي والكاتب الموسوعي في النصف الأول من القرن العشرين محمد بن عبد الله بن المبارك الـمُؤَقِّـت الـمُرّاكشي، ويعد عالما موسوعيا كتب في مجالات شتى منها التاريخ والأدب والتصوف والحديث والتوقيت.

ويعتبر ابن المؤقت من أبرز أعلام المفكرين المغاربة في النصف الأول من القرن العشرين، أهله لذلك العدد الكبير من المؤلفات التي صنفها في مختلف العلوم والمعارف والتي ناهزت التسعين مؤلفا، حيث كان متصوّفًا مريدًا في الطريقة الناصرية، ثم متصوّفًا متقدّمًا في الطريقة الفتحية، ثم عدل في آخر حياته عن الطريقين، وأعلن استقلاله التام عن كل طريقة، وفجرّ عليه موقفه هذا الكثير من المعاناة.

ازداد محمد بن عبد الله المبارك المؤقت المراكشي في حاضرة مراكش العريقة حوالي العام 1867، وقد اختُلِف في تاريخ ميلاده على وجه الدِّقة، لكن لم يختلِف الماضون واللاحقون في شأنِ نبوغه وتميُّزه وصلاحه وإصلاحه.

احتضنَتْه كتاتيب مراكش صَبِيًّا، وجامِعُ ابن يوسف شابا وكبيراً فمُدرِّساً فيما بَعد. تَلقَّى تربية صوفية تزكوية في بيت علم وتديّن. ثمَّ ورِث عِلْم الميقات والحساب عن والده واشتهر به، وتلقّى علوم الحديث والفقه والسيرة والتفسير على يد أقطاب التعليم في ذاك الزمان؛ الشيخ أبي شعيب الدكالي والمدني الحسني ومحمد بن العربي العلوي، فضلا عن شيخه في الطَّـريقة؛ فتح الله بنّاني.

ارتحل إلى مصر، فَـتَلَقَّى مِن عُلمائها العلم في ثلاث سنوات، وتأثّر بالجو الفكري والفقهي والأدبي في بلاد الكنانة فيما بين 1925 و1927، وتَبَنَّى الدَّعوةَ الإصلاحية التي تزعَّمها الإمام محمد عبده وصديقه المُصلح جمال الدين الأفغاني، ثم كان أنْ استثْمَر في هذه الإقامة المصرية؛ بأنْ صَار بَعد عودته للمغرب، كلَّما فرِغَ مِن كتاب إلا وبَعثَ به لمطابع القاهرة ودُور النَّشر فيها.

وعلى غرار أبناء الوقت؛ قَضى ابن الـمُؤَقِّتِ طَـوْرا مِن عُمره مُتصوِّفًا سَالكًا ضِمن الطريقة الناصرية، فالطريقة البنانية، إلَّا أنَّه اهْـتَدى لنقد منطق الصوفية والزوايا المنحرف والمغرق في الطقوسية والــمُرِيدِية والتَّخلف؛ فَـفَكَّ ارْتِـهَانَه بالطَّريقة، وعَــزَّز انْغماسه في فِقه الإصلاح وأمَّهات الكتب الفكرية والثَّـقافية، واسْتَرْجَع ما حَصَّله مِن معارِف في مصر، ثمَّ تَفرَّغ للعلم تَـفَرُّغًا أَثْــمَرَ عشرات المصنّـفات في ميادين التّاريخ وعلم الحديث وعِلم التَّوقيت وأدب الرحلة وغيرها.

طارت شُهرته في الآفاق، فكانت سَببا في تشكيلِ صداقاتٍ علمية واستِقبالِ لقاءات فقهية وأدبية، أهمُّها؛ تلك التي جَـمَعَتْهُ مع العَلّامة محمد المختار السوسي والعَلّامة عبد الله الجراري في ثلاثينات القرن العشرين. كما كان بيتُه مفتوحا يقصده الزوار والعلماء والمساكين وطالِبي الحاجات..، ولا غَرْوَ أنْ يكون بيته وشَخصه مَقْصِدا؛ فقد كان مِن فُضلاء مراكش وصُلحائها.

مِن فَـرَادةِ الرجل رحمه الله؛ تَمَـيُّزُهُ طيلة حياته بإعمال فِـقْه المراجَعَات، وتجلَّى ذلكَ أكثر في تحوُّلِه مِن حياة الزَّهادة والطُّرقية والتعلُّق بالشيخ إلى رحابة العقلانية والـمشاركة الإيجابية في الحياة عن طريق التدريس والتأليف والـمناظرات.

كَـتَب في بدايات إعجابه بالطريقة البنانية كتابَه “نتائج الأفكار الحقية في مدْح الطريقة الفتحية”، ولكن لَـمْ يَـحُلْ هذا الإطْراء دُونَ انْـقِلَابِه على شَيخه، وعُدُولِهِ عن طريقته. فَـأجْـرَى انتقادًا مُـبَكِّرًا وصارمًا للطُّـرق الصّوفية المبتَـدِعة والمعطِّلة لصَحْو المجتمع المغربي والنَّاكبة عن طريق التّـقَدُّم والنُّهوض الحضاري، ومارسَ انتقاداً في اتجاهٍ آخَر، اسْتَهَدف بَعْض الـمُعَطِّلة لنصوص الشَّرع وصحيح البخاري، وعابَ على العامّة مسلكياتهم الخاطئة في التَّعامل مع شَرع الله، فكَتَب “الكشفَ والبيان عن حال أهْل الزَّمان” و”لُـبانة القَاري مِن صحيح الإمام البُخاري” و”الكمالات المحمدية”، واستَمرَّ وَفِـيًّا لحاسة النَّقد، شامِلاً المساوئَ الوقتية في زَمنه بجرأةِ الدَّاعية ورَصَانة العالِم وثِـقَةِ المصْلِح الـدِّيني.

ومِن شِدّةِ نفاد انتقاداته للطُّرُقية وامتداد دعوته الإصلاحية؛ لاقى الجفاء والنّـقدَ والتَّسفيه والتّحريش، وصُنِعت تحالفات طُرقية-عُلَمَائِية لمحاصرته، والاشتِكاء به للسلطات، اشتكاءً بَلَغ حَـدَّ مُراسَلة السلطان محمد الخامس في شأنه.

إنَّه رَجُلٌّ قَضّ مضاجع التخلف وهَدَّ عروش تُجّارِ الجهـل، وقاد حَملةَ إصلاح ديني؛ مُنفرِداً، وحيدا في مغرب الحماية، حيث كان يعتبر أن المد الصوفي الطرقي “يشيع في الناس الأفكار الرجعية والعقائد البالية والسلوكات الجانحة المؤسَّسة على الخرافة والشعوذة والجهل”.

ومِن فرادَتك كذلك؛ عَدم اقْـتِصاره على النقد والتّجريح؛ بل انكبَّ على العيوب يُصلِحها، وعلى جوانب التّـنوير في الإسلام يُجلِّيها، وعلى العقيدة يُدافع عَن نَصاعتِها وعلى التصوّف يُبيِّنُ صَحْوَهُ مِن سُكْرِه، وذلكَ في مُؤَلَّفاته “الكشفُ والتّـبيان” و”تنوير الأفكار في مواسِم الأعمار” و”فــتْـح الكبير الـمُتَـعالي” وغيرها.

ومِن دَلائل نُــــبُوغ ابنِ المؤقّتِ؛ اهتمامه بالتَّدوين والكتابة والتقييد، حيثُ قَدَّم في مغرب القرن العشرين تعريفا جديدا وحضورا آخرَ للعالِــم في بلاد المغرب، مُنتقِلاً به _ مفهوماً ووظيفةً _ مِن عالِمٍ مُتَكلِّمٍ مُكتَفٍ بالتَّـدريس مُغلِّباً الشَّفهي على الـمُدَوَّن؛ إلى نموذج عالِمٍ يَـنْكَبُّ على الكتابة وصيانة الذاكرة ومَدِّ الأجيال بخوالد المعرفة المدَوَّنَة.

خَلَّدَ لنا مُصنَّفاً في ذِكْرِ أدوار جامع ابن يوسف موسومٍ بــ”الجامعة اليوسفية”، وبَرَّزَ بَراعة المغاربة في علم التّوقيت في “مجموعة اليواقيت العصرية”، وانـتَصَبَ مُحتفِياً بأعلام المغرب الكبار مُترْجِماً لهم في عَمَلينِ جليلين مِن أعماله “الـمُعرب عن مشاهير مُدُن المغرب” و”السَّعادة الأبدية في التّـعريف بـمَـشاهير الـحَضْرَة الـمُرّاكشية”، وهو مطبوع في جُزئين.

واسْتَفْرَغ الوقت لخدمة المعرفة التاريخية فألَّـفَ “تقريبَ الأقصى في تَلخيص الاستقصا” و”تنوير الأذهان في ذِكـر البعض مِن مَفاخر السلطان” خصَّـصه لعهد حُكم السلطان محمد الخامس (1927-1961)، ولَـمْ يَفُتْهُ أنْ يُوفِّي حَقَّ مَن علَّمه وأدَّبَه فكَتَب مُخلِّداً إرْثَ أبيه ودَورِه ومآثِره في كتابِ سمَّاه “إظهار المحامِد في التَّعريف بمولانا الوالِد”.

لقد كان محمد ابن الـمؤقِّتِ الـمراكشي كاتِباً غَـزيرَ الإنتاج والتَّأليف بَين كُتّاب عصره، إذ يؤكِّد الباحثون استِناداً إلى وثيقةِ بخطِّ يدِ المؤلِّف أنَّ مُصنّفاته ناهزت المائتين (200)، طُبعِ منها لغاية الألفية الحالية (42) عنوانا، والبقية ما تزال مخطوطات.

وبَعد حياةٍ عامِرة بالعِلم والعطاء والنِّضال مِن أجلِ إصلاح أحوال العامة والـخاصَّة، وسنواتٍ قليلة بعد عودته مِن رحلة الـحجّ ضِمن تشكيلة الوفد الرَّسمي للحجاج الـمغاربة الذي عيَّنه محمد الخامس رئيساً له سنة 1944، سيُــسْلِم الروح لباريها يوم 8 دجنبر سنة 1949 ويُدْفَن بباب أغمات، بمراكش الـحمراء.

الحلقة الثامنة من إعداد: عـدنان بـن صـالح/ باحث بسلك الدكتوراه، مختبر “شمال المغرب وعلاقاته بحضارات الحوض المتوسِّطي”، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي – تطوان.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

الإشارات السياسية في قصة موسى.. المصلحون وشرط الوضوح في تبيلغ الرسالة

أجيال إعلامية: البوعناني .. إعلامي نقل أسرار البحار إلى المغاربة بلكنة شمالية محبوبة

أجيال إعلامية: الحاج قرّوق.. صاحب “ركن المفتي” الذي تابعه المغاربة طيلة 17 عاما

كتاب “نظام التفاهة”: هكذا تنسينا الصناعات الفنية ذكرى الأزمات (الحلقة الأخيرة)

البسطيلة.. حكاية طبق مغربي خالص عمّر لأكثر من 8 قرون

تابعنا على