اعتقال إرادة شعب..

27 مايو 2020 - 16:02

كلما فكر العقل بالمنطق السليم، وسال حبر القلم العليم، ونطق اللسان الناصح الأمين، في بلد يسوسه المفسدون المخربون، والمتجبرون الطاغون، تعالت نداءات الازدراء وشهادة الزور، وأخرجت التهم والتلفيقات الجاهزة إلى العلن، وشنت الحملات العدائية العشوائية، وأشيعت الشائعات والأكاذيب…

لكن هل هذه هي المشكلة وكفى؟ أم أن المسار لا زال طويلا؟

سنن الله وحكمته عز وجل اقتضت أن يهاجم الباطل الحق كلما حاول الظهور، ويحاربه بأشد ما يملك من أسلحة حتى الدحور، لذلك يمكننا القول أن رد فعل أهل الباطل متوقع وحتمي، فأين يكمن الداء، وما الدواء؟

المشكلة الحقيقية تكمن في طبيعة فعل أهل الحق أو المستضعفين، ولا أقول: رد الفعل، لأن الفعل ينبني على إرادة ورؤية واضحة متزنة، عكس رد الفعل الذي يتسم بسمة التهور والعشوائية. هذا الفعل قد يكون متباطئا أحيانا و مترددا أو منعدما أحيانا أخرى نحو ما يصدر من ممارسات شنيعة حقودة تمس بكرامة و آدمية المرء.

كيف لنا أن نستقبل فجأة خبر اعتقال أو اختطاف أو تعذيب…صوت حر، بالتضامن والاستنكار والضجر…، ثم نمضي إلى كهوفنا، لنستيقظ على وقع إحياء ذكرى الاعتقال وعرض ظروفه وأسبابه وحيثياته القانونية…، فنعلن في الختام تضامننا وتنديدنا من جديد…، وهكذا حتى تنقضي المدة الحبسية. وقد يفجع المسجون ويقف مشدوها متحسرا أمام ما يرى من قومه من تخاذل وتثاقل، وهو الذي كان بالأمس القريب حرا طليقا، فباع حريته من أجل قول الحقيقة والدفاع عنها، وإحقاق الحق وإزهاق الباطل. وقد يدفعه ذلك حصل هذا مع كثير من معتقلي الرأي إلى أن يروم من سجنوه ويصير لهم حليفا وليا حميما، بل ويبرر فعلتهم وبطشهم بالمستضعفين. نكاية فيهم لما أظهروه من قلة شجاعة ودماثة خلق.

لست هنا بصدد التقليل من شأن التضامن والاستنكار، وتوضيح ملابسات الاعتقالات والاختطافات للرأي العام، وتنظيم حملات المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، بل أقصد استثمار كل ذلك، ومنحه جدوى وفاعلية واقعية، من خلال:

تشكيل جبهة لها امتداد شعبي، يضم كل الفاعلين والغيورين من أجل تحقيق الضغط اللازم على الجلادين وإرغامهم على التراجع على أفعالهم المشينة المهينة، ثم الاشتغال على قضية الاعتقال السياسي وحرية الرأي على مدى السنة وليس بشكل موسمي أو مناسباتي، وجعلها من أولى الأولويات في سلم النضال الاجتماعي والسياسي، وما تجربة عشرين فبراير عنا ببعيدة، عندما أرغمت النظام على إطلاق سراح المعتقلين السياسيين في ما عرف “بملف بالعيرج”، رغم السياقات الخاصة لتلك الحركة، ولكن الروح النضالية للحركة يمكن تجسيدها في كل وقت وحين، ونذكر تراجع الحكومة على المصادقة على القانون الأخير الخاص بالنشر والتدوين نتيجة الضغط الشعبي “الافتراضي”. والأمثلة عديدة في هذا الباب عبر التاريخ.

الحاكمون الفعليون ومهندسو السياسات في البلد يقيسون درجة وعي وحركة الشعب من خلال هذه الممارسات المستفزة شكلا ومضمونا. فلا مناص من مواجهة هذه الفرعونية المجنونة، الفاسدة في الأرض المفسدة، لابد من موسى وهارون وقومهما.

نعيش تحت ضيق ووطأة الحجر الصحي، فيصرون على تعميق آلامنا بالحجر على حقوقنا في التعبير والحرية والكرامة…، أي شعب هذا الذي ينسب له كل قبيح:

الجهل واللاوعي بهتانا وزورا، أو حق أريد به باطل كما يقال، وتسلب حقوقه ظلما وعدوانا، وأي دولة هذه التي تنسب لنفسها كل جميل وتتملص من كل مسؤولية نحو المحكومين، الذين يتمرغ معظمهم في الأوحال، في أسوإ الأحوال، تفقير وتجهيل وإقصاء…

إننا أمام حد تجاوز الحد، نقف على عتبة الهاوية، نكابد الويلات، طائفة تتألم بالليل فتنسيها مشاغل النهار الألم، وطائفة تتألم بالنهار فيضمد جراحها سكون الليل وهدوؤه، هكذا يقضي البؤساء أوقاتهم بين ليل ونهار

أحلاهما مر.

نعاين المجهول، حيث الآفاق ملبدة بسحب تحمل سيلا جارفا، وطوفانا عاتيا…

ياقوم، لاطاقة لنا لتحمل المزيد من حماقات وطيش الطائشين. وفساد المفسدين، وقهر المستبدين، وخنوع الخانعين، وعبث العابثين، وتلاعب الانتهازيين، ومكر وخداع الماكرين…كفانا قهرا وظلما، وطحنا واعتقالا…

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

نداء من أجل تأسيس هيأة عليا للصحة في المغرب

الحماية الاجتماعية للعاملين في القطاع الخاص والمهن الحرة

جنرال الصمود.. الأسير الفلسطيني نائل البرغوثي

أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط

ادمينو يكتب.. تدبير المخاطر الانتخابية في ظل الانتخابات المقبلة

هل تنقذ الملكية ليبيا؟

تابعنا على