مراكش.. ايقونة 12

27 مايو 2020 - 18:04

مراكش مدينة وديعة، من سهل الحوز، تجمع بين طبيعة الواحة والسهل، من منطقة حارة وممطرة، عذبة المياه طيبة الثمار، شفقة التربة، خضرة النظرة، تسحر كل زائر بالطبيعة، من قلائد التمور الخريفية .

حين وصلت الجيوش الفرنسية سنة 1912 ميلادية الى المدينة، وجدوها منيعة داخل الأسوار، فاستعصى عليهم أن يدخلوا المدينة من أبوابها، واستقر الرأي أن يفتحوا الأبواب من الأسوار .

مراكش السلطانية :

لم يكن دخول الفرنسيين مدينة مراكش وليد اللحظة التاريخية من سنة 1912، بل امتد تواجدهم بالمغرب من نهاية معركة إيسلي .وبداية عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان .

وإن انتصر الفرنسيون عسكريا، فإنه استعصى عليهم الحل السياسي، والتواجد العسكري من الموقف الوطني والموقف الدولي، الى سنة 1912، التي انهت الشقاق من الهزيمة، وفتحت صفحة بيضاء من غير سوء في تاريخ العلاقات بين البلدين .

الموقف الوطني والدولي :

تجلى الموقف الوطني المغربي امام الفرنسيين في الطرح الاعتباري لجلالة السلطان موحد الجماعة وسند الامة من الوجهة الدينية، والاجتماعية، وأن يتم العمل بين الطرفين تحت إمرته والاعتراف ب سامي سلطاته، وحماية حوزة ترابه، واستمرار النظام المغربي في السهر على تدبير إدارته، الى جانب النظام الفرنسي، الذي ينسق العمل مع جلالة السلطان، وهو الموقف الذي توافق الطرفان على مبدئية العمل به، وزكاه الاجماع الدولي من منطقة طنحة .

وهكذا بعد أن وافق الفرنسيون على الخدمة تحت امرة جلالته، أخذ السلطان المولى عبد الحفيظ من مراكش طريق النظام الدولي نحو مدينة طنجة، وفي ذات الوقت تولى السلطان المولى يوسف، من مدينة فاس مقاليد الحكم، والتوجه نحو مدينة مراكش، لتهدئة الاوضاع الاجتماعية التي خلفها، دخول الفرنسيين الى المدينة .

وبعد وصول السلطان المولى يوسف الى المدينة، عم الاستقرار وتمت مبايعته، وعينت الدولة الفرنسية مقيما عاما لها بالمغرب، يسهر على الروابط الاجتماعية والدولية بين النظام المغربي والنظام الفرنسي .

وحين انفراج الاوضاع العامة انتقل مقر العاصمة السلطانية، من فاس ومراكش الى مدينة الرباط التي أصبحت عاصمة للمملكة المغربية .

أبواب مراكش المفتوحة

بعد أن عم الاستقرار بالمدينة، تحول العمران من داخل الأسوار، الى مخارج المدينة من اراضي جليز، ومن تم تشكل العمران بالمدينة من نموذجين : تاريخي داخل الاسوار، وحديث منتشر المعمار من المدار .

وفي إطار هذا التطور العمراني جاءت الأبواب الجديدة بالمدينة على شاكلتين اثنتين : أبواب فتحت من خارج الأسوار، وأبواب فتحت من داخل الأسوار .

أبواب خارج الاسوار :

ترجع الابواب التي فتحت من خارج الاسوار الى سنة 1912، حين دخول الجيوش الفرنسية عنوة الى المدينة ، عهد نظام الحماية من بداية تحديث الادارة المغربية، لتكون في المستوى من النظام الدولي .

I. باب النقب :

ينسب أول الأبواب التي تم فتحها على داخل المدينة، وتولته وقتها الجيوش الفرنسية، من وصولها الى وسط المدينة نحو ساحة لالة رقية، حيث عسكرة من مكان قيادتها العامة، المسماة : تامجورة .

شكل الباب من أوله ترعة ثقب مفتوح من سور المدينة، ثم تم بناؤه لاعتبارات تاريخية بالحجر الذي استخدم في مشروع بنيان حي جليز، وهو باب مفتوح من غير ابواب، على شكل قوس منحني من الأفق، على الارضية المرورية داخل السور، شيد بالحجر الكلسي والملاط الجيري، تعلوه شواهد جمالية مثبتة من سطح السور، وتشكل ارضية السور ممر للراجلين والعربات المجرورة، استعمله الاوربيين الأوائل الوافدين من حي جليز، في علاقتهم الادارية مع المصالح البلدية .

وعهد إقامة طريق مدارية مجاورة لخارج السور، خاصة بحركة السير الحضري، تم منع المرور على السيارات والعربات بتثبيت قائم ارضي من وسط الباب، يمنع مرور المحركات ونحوها من البوابة .

وقد أخذ الشكل العمراني للباب المفتوح من خصائصه الأثرية باهتمام عدد من التشكيليين الاوربيين، في ستينات القرن العشرين، حيث شكل موضوع نظرة فنية، لافتة بالفرشة لتحفة معمار من محيط المدينة التاريخية، تجسدت في لوحات تشكيلية من اعمال فنية، واضحة المعالم من المعمار الذي عليه باب السور .

وأن يأخذ الفنان أدوات عمله، وينصبها في الفضاء من ظل السور، ليشتغل من وقته على لوحة مصوغة بالفرشاة، لا للفرجة بل للذكرى والانطباع الفني من روية العقل، وهدوء الطبيعة من المكان، الذي يذكر بالبنيان من ريشة الفنان، فذاك ما يرتاح اليه وجدان الفنان، من دلالة ومعنى ترمز لها اللوحة من الأثر .

II. باب الرب :

تم فتح البوابة بين الباب التاريخي للمدينة المسمى لاسم سيدي السهيلي، وسور القصبة، عهد دخول الفرنسيين نحو قصر البديع والانتشار وجهة قيادتهم العامة، المسماة من لسان الساكنة تماجورة، بوسط المدينة .

وتسمى الباب من لسان الساكنة، على اسم الخطوط الاوروبية، من علاقته الأولية مع وجهة المطار، الذي تحط به طائرة الخطوط الاوربية، وتقلع نحو اوروبا .

الأبواب المفتوحة من داخل المدينة :

هي الأبواب التي اقترن فتحها بأشغال الخدمات المدنية من داخل المدينة، حين تطور العمران واتسع في الانتشار خارج الاسوار، والخاص بإقامة الأوربيين حين تزايد اعدادهم، والتفكير في بناء احياء خاصة بهم من خارج المدينة .

مخرج المدينة الى حي جليز :

عهد دخول الفرنسيين بخط السكة الحديدية الى وسط المدينة، وجلب الاوربيين للشاحنات البخارية، التي عوضت العربات المجرورة بالحيوانات، تم انشاء طريق عمومية بين المدينة الأهلية ومشروع الحي الاوروبي .

وحينها تم من السور الداخلي للمدينة، فتح طريق ترع على ساحة الحي الاوروبي، الذي أقيم خارج الاسوار من جوار الحاميات العسكرية، وهو أول حي نموذجي للمدينة الحديثة، مجهز بقنوات الصرف الصحي، والمياه الصالحة للشرب، والمسالك الطرقية، وأعمدة الانارة الكهربائية . أقيم على نمط عصري من بناء معماري متعدد الطبقات، وشوارع خاصة بعبور الشاحنات العسكرية ومقطورات السكة الحديدية والسيارات الخاصة، وإقامات من فيلات خاصة، تزين ذلك الفضاء السكني، السواقي الجارية من جنبات الفيلات والطرقات المعبدة، وأشجار الزنبع والزيزفون، والنفورات المائية من اشكال خاصة .

طرائف مشروع جليز :

تنسب نشأة مشروع بناء حي جليز بالمدينة، الى عهد الحماية، من بداية التحول من مجتمع زراعي يحكم نفسه بنفسه، الى حياة اجتماعية معاصرة قائمة على العلاقات الدولية .

ومن الوجهة المعمارية، كانت المنطقة قبل أن تتحول الى مجال عمراني، محل حقول زراعية، وأغراس وفيرة الغلال جارية المياه، من جداول نحو الحقول، وصهاريج من منابع العيون .اتخذ من جوارها الفرنسيون أماكن لإقامة حاميات عسكرية .

وبعد أن خطط الفرنسيون للمدينة الجديدة وشرعوا في البناء، قام الصراخ والاحتجاج عاليا بالمدينة، تعبيرا عن غضب الساكنة على العمران من المنطقة، فتدخلت السلطات لجبر الخواطر، وأن الغاية من البناء ترحيل الفرنسيين والاسبان المنتشرين من أحياء المدينة العتيقة، كما أن البناء مؤقت ولن يتعدى عدد الاوربيين المقيمين بالمدينة، وسيبقى من ترحيلهم الأولي خارجها في نهاية الحال الى أهالي المدينة .

حينها هدأ غليان السكان، وعم الخبر من وسطهم، وأن اقامة الفرنسيين لن تتعدى إقامة جيوشهم من البلد لأربعين سنة .

ومن الوجهة المادية، فإن اراضي المجال الزراعي التي شملها مشروع المجال العمراني، قد حصل ملاكها على تعويضات مالية، منهم من غادر المدينة الى وجهة اقتصادية صاعدة، ومنهم من دخل في شراكة مع الفرنسيين، ومنهم من بنى مسجدا اسوة ببناء الفرنسيين، كنيسا من الحي الجديد .

فندق باب السور – المأمونية – :

بوابة عتيقة من سور المدينة، تربط فندق المأمونية على عهده الأول، وهو على شكل مخيم ريفي منفتح البوابة بالجهة الغربية من خارج السور، على الممر الطرقي نحو جهة مطار المنارة .

الباب الجديد :

عهد بناء الفندق واستبدال عربات الكوتشي الخاصة بنقل الوافدين بين المطار والفندق والمدينة، باستعمال السيارات الخاصة عهد ظهورها، تحول مدخل الفندق من باب السور وجهة المطار، الى وجهة أخرى منفتحة على داخل المدينة وخارجها .

وبالموازاة مع ذلك، تم فتح منفذ رئيسي من السور، يتزين من خارجه بنافورة مائية خاصة بالحركة المرورية من المفترق الطرقي نحو الحي الاوروبي وطريق المطار وعبر حدائق المنارة .

مراكش العامرة :

يوم أن فتح الفرنسيون باب العودة الى الساكنة، كان يوم فرح وأهازيج وتغني بالساحة من المدينة، وصارت صيرورة وتراثا للإنسانية .

ومن تم صارت مراكش العامرة مدينة مركبة من و سط حضري داخل الاسوار ينسب من التأسيس الى العهود السلطانية من التاريخ القمري، ومجال عمراني من وسط طبيعي خارج الاسوار ينسب الى العهد الاجتماعي من التاريخ الشمسي، والحياة الاجتماعية المعاصرة .

وما أطيب وقت الزائر، وأمتع لحظة الناظر، حين يطل على ساحة فناء المدينة التاريخية، حيث تدوي منها اهازيج البهجة وأسارير إنسان المدينة، ومن الليل وعلى قسمات النسيم، يبسط أهاليها موائد الطعام، والترحيب بالزوار، من فضاء طلق ناصع بالأنوار .

وكم يحلو للزائر التجوال من نظارة اسواقها ، وامتطاء العربة الاوربية الجوالة بأحصنتها، وسماع ساكنتها وقت الوجبة من نفير آلة الزوكة المدوية بأرجائها.

شكلت الزوكة الذائعة الصوت من مقر البلدية، وقتها للمستخدمين الوقت الاداري من منتصف النهار، وشكل صوتها للساكنة من شهر رمضان وقت الافطار من الصيام .
ومن نفير صوتها الصارخ على الاسماع، والمدوي من مسافات وكلومترات، تم اسكات صوتها رفعا للدهشة عن زائري المدينة .

من عهد ظهور الساعة بالشارع العام، ومن البيوت والأيدي، أطلق عليها عموم المغاربة من اشتغالها مجانا دون تعبئة، ولا بطارية شحن، اسم المجانة من محل اسم الساعة .
الوسط الحضري :

عمران سكني ذو خصائص حضرية من الهندسة المعمارية التي تعود الى العصر الزراعي، يعتمد البنيان على المواد المحلية من تربة اللوح المدك من قالب بناء خشبي مستطيل القامة، يملأ بالتربة العميقة المبللة والمادة الجيرية ويدك بالمدك، كما تستعمل في المباني المواد الفخارية من أجور طيني، وفسيفساء فخارية ولوازم القرميد، وأصناف الخشب ومواد السقف القصبية والورقية، فضلا عن الرخاميات والنقوش الزخرفية من المواد الحجرية .

وتحتوي كل الدور السكنية على بئر جوفية للأشغال المنزلية، ومرحاض للسكن، ومطبخ عائلي وفضاء ضوئي، يحتوي احواض الزينة والنباتات العطرية، والاغراس المزهرة، كما تتوسط فناء السكن حنفية مائية من العهود الشامية .

ومما تتزين به الاحياء السكانية، ساحات عمومية وسواقي حضرية مدعمة بصهاريج مائية لأغراض الصناعة المحلية، ومشارب حيوانات الخدمة والركوب والأليفة من الحياة المنزلية، فضلا عن جداول المياه الجارية لري الحدائق الفلاحية والمنتزهات الحضرية

أما المرافق العامة فتشمل المساجد الدينية، والمصلى الرسمية، والمدارس الجامعية، والزوايا الصوفية، والاسواق الحرفية، والمحولات الجلدية، والصناعة الفخارية، والمعاصر الزيتية، والمركبات الحديدية، ورحاب الزرع وقاعات الخضر والزيوت والمجازر البلدية، والسويقات اليومية، والسوق الاسبوعية، وركنيات قناديل جدارية الانارة الليلية، من الصواب المغطاة من أزقة الدرب، أو بالطريق الطويل من فحل الحي العام .

المجال العمراني :

هو البناء الحديث المعاصر من خارج أسوار المدينة، يعود الى عهد الحماية الفرنسية، ينبني على تصاميم هندسية للمصالح البلدية القائمة على بناء الطرق المعبدة والشوارع المرصفة الملائمة لاستعمال السيارات والدراجات، والمحلات التجارية المنظورة الواجهات، تزين جنباتها المجاري المائية واشجار الرصيف المزهرة، كما تتوسط الشارع العام مواقف السيارات وقمرات تنظيم السير على الطرقات ونفورات انابيب المياه، فضلا عن الكهربة العمومية ومجاري المياه العادمة، بالجنبات الطرقية .

يعتمد البنيان على المادة الاسمنتية، والسبائك الحديدية، والاحجار الكلسية، والاسقف المضلعة المغطاة والنوافذ المفتوحة على الفضاء العام، فضلا عن الملاط الارضي السلس والجداري الاسمنتي، إضافة الى الاصباغ الحائطية والمواد الخشبية والزجاجية والقطع المعدنية والحديدية .

وقد قرب هذا النمط المعماري عند ساكنة المدينة العتيقة، بمركباته الاجتماعية واسواقه اليومية وأنشطته الخدماتية، النظرة من نمط الحياة وأجوائها الخاصة من البلاد الاوربية .

وكان يوم العطلة الاسبوعية بالمدينة عند الاوربيين، يوم سياحة عند الانسان المراكشي من المدينة في المجال الاوروبي، يقضي وقتا في التجوال وإمتاع النظر، من واجهات شفافة بالشوارع الفسيحة والمباني الانيقة، بين النفورات المائية والحدائق الوردية، والملاعب الرياضية، والمسارح السينمائية والمطاعم السياحية، يقضي العموم يوم نهاية الاسبوع وهو يعيش حفلا بطابع الانشراح، من الممشى والتأني في الخطى، أو الجالس من مقعد الراح بالمقهى .

وهكذا أنشئت مدينة مراكش من واحة سلطانية عهد العصور الزراعية، وتركبت من مجال عمراني حولها الى ايقونة سياحية من اهلها وروادها، تجمع بين التراث الانساني، والمسار الاجتماعي، الذي يجعلها محطة الانظار وقبلة الاعتبار .

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

ظاهرة تخريب الآثار وإحراق المكتبات في تاريخ المسلمين

هل كان المهدي بن تومرت عميلاً لفرقة الحشاشين؟

اللاعب والملعوب به

الاستعداد لتنظيم الباكالوريا.. محطة تأكيد الكفاءة

أنظروا ماذا فعل الكوفيد بنا!

تابعنا على