الاقتصاد العالمي بعد أزمة كورونا

27 مايو 2020 - 18:28

منذ بداية التطور الرأسمالي و سيطرته على مفاصل الحكم في الدول الغربية ثم معظم دول العالم، تميز هذا النظام بظهور أزمات اقتصادية داخلية جلها انطلقت من الأسواق المالية (البورصة و الأبناك ) ثم انتقلت إلى كل القطاعات الاقتصادية (أزمة 1929 و 1970 ثم 2008). تمكنت على إثرها السياسات الاقتصادية، خصوصا النقدية و المالية من تجاوزها حتى أصبح مفهوم الأزمة الاقتصادية يشكل حلقة ضرورية من أجل التطور الرأسمالي.

لكن ما نعيشه اليوم، هي أزمة تختلف عن سابقاتها كونها انطلقت من خارج المنظومة الرأسمالية (القطاع الصحي) و ضربت الاقتصاد الدولي و شلت حركة الأسواق المالية وجل القطاعات الاقتصادية.

ولكي نقوم بمحاولة تقييم آثر أزمة كورونا على الاقتصاد الدولي ، لابد من أن نلقي نظرة على منظومة الاقتصاد العالمي قبل الجائحة حتى نستطيع الإلمام بالمكنيزمات العالمية التي تتحكم فيه اليوم .

إن الصورة التي يتميز بها الاقتصاد الدولي قبل أزمة كوروناهي نتيجة التطور الذي عرف بالتحول من نظرية الميزة النسبية la théorie des avantages comparatifs والتي تلزم كل دولة على التخصص في صناعة وتصدير السلع التي تضمن لها الثمن الأ رخص على المستوى الدولي إلى نظرية التقسيم الدولي للعمل division
Internationale du travail والتي تلزم كل دولة على التخصص في جزء معين من أي منتوج تم تصديره إلى دولة أخرى التي تقوم بإتمام عملية الإنتاج.

فعلى سبيل المثال في سنة 2019، من أجل صناعة سيارة من نوع معين، فالدولة الأولى تتكلف بالرسم التخطيطي للسيارة والثانية تتكلف بإنتاج المحرك والثالثة بالتصميم والرابعة بوسائل الأمان إلى أن تتدخل مجموعة من الدول من أجل صناعة هذه السيارة.

فاليوم أصبحت كل دولة متقدمة أو متأخرة هي جزء من سلسلة عملية الإنتاج على الصعيد الدولي. فالاقتصاد الصيني والأمريكي والأوروبي واقتصاد الشرق الأوسط وحتى اقتصاد الدول النامية، أصبحوا جميعا يشكلون حلقة في سلسلة عملية الإنتاج العالمية، الشيء الذي لا يمكن معه لأي دولة الاعتماد على سياسة الاكتفاء الذاتي (Autarcie)

فأكبر قوة اقتصادية في العالم ، أي الولايات المتحدة الأمريكية تحتاج إلى الاستيراد المستمر للصناعات الغذائية ، السلع الاستهلاكية ، السيارات، الملابس و الحواسيب من مجموعة من الدول على رأسها الصين والمكسيك وكندا. كما أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم ، أي جمهورية الصين الشعبية ، هي في حاجة ماسة إلى الاستيراد المستمر للآلات الكهربائية ، الوقود المعدني ،المعدات البصرية، المواد المعدنية والسيارات من مجموعة من الدول على رأسها كوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأمريكية و ألمانيا.

أما فيما يخص الاتحاد الأوروبي، فهو في حاجة مستمرة إلى استيراد القطع الشبه مصنعة ،المنتجات البلاستيكية ،الكيميائية ،النفط ،الغاز، الأدوية والمعادن من مجموعة من الدول على رأسها الصين وإيطاليا و إسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

لذلك، فإن هذا الترابط في سلسلة عملية الإنتاج مكن من رفع المردودية وتخفيض الكلفة حيث أصبحت مجموعة من الشركات متعددة الجنسيات تمثل حلقة من حلقات العولمة التي جعلت من الانفتاح ضرورة اقتصادية. وعليه، ورغم الاختلافات السياسية، فقط أصبح فتح الحدود أمام حركة الأشخاص والسلع والرأس المال هي السياسة الوحيدة الضامنة للاستقرار الاقتصادي ونجاح المقاولات الشيء الذي أدى إلى وفرة الإنتاج والحد من البطالة و بالتالي الاستقرار السياسي.

لكن تفشي جائحة كورونا أصبح يهدد حلقات الإنتاج العالمية، فإغلاق الحدود والمطارات أمام حركة الأشخاص والبضائع أدى إلى شلل كلي أصاب كل الشركات العالمية.علاوة على ذلك، فإن التوتر الاقتصادي بين الصين و أمريكا ضاعف من الآثار السلبية لجائحة كورونا، فحسب البنك الدولي سوف ينكمش الاقتصاد العالمي بنسبة قد تتجاوز 5% ، الشيء الذي يهدد نسبة %81 من الوظائف على مستوى العالم (حسب المنظمة العالمية للعمل).

كما أن كساد التجارة العالمية نتيجة انتشار جائحة كورونا، أظهر آفة نظام التقسيم العالمي للعمل ، حيث أصبحت معظم الدول الغربية المتخصصة في الصناعات الجد متطورة رهينة الواردات الصينية التي تقلصت بشكل حاد. وعليه، أصبحت هذه الدول غير قادرة في زمن الجائحة على تلبية حاجاتها الأساسية من الدواء(آلات التنفس الصناعية) و النسيج (كمامات…).

وبالتالي فإن من الأسباب المباشرة لانتشار جائحة كورونا هو إعادة أسس التقسيم الدولي للعمل، حيث سوف تسعى الدول الغربية إلى تنظيم جديد للسلاسل العالمية للإنتاج من أجل الحد من الاعتماد الأوروبي والأمريكي على المنتوجات الصينية. ومن أجل تحقيق هذا الهدف ، وجب إعادة بناء الاقتصاد الغربي وفق أسس جديدة على المدى المتوسط و البعيد تبدو لحد الآن غير واضحة المعالم.

أما فيما يخص الوجه الآخر لأزمة كورونا، أي تأثيرها على الأسواق المالية، فإن سيناريو الهبوط الحاد للأسهم والسندات على الصعيد العالمي هو يؤثر سلبا على الاقتصاد الصيني والأمريكي في آن واحد نظرا لترابطهم الوثيق الشيء الذي قد يؤدي إلى تعميق الأزمة على الصعيد العالمي.

وفي الأخير يبقى المؤشر المهم الذي يمكن أن ينبئ بأزمة اقتصادية غير مسبوقة، هو احتمال الانخفاض الحاد في قيمة الدولار الأمريكي الذي وصفه وزير التجارة الأمريكي الأسبق بمشكلة العالمLe dollar est notre monnaie, mais c’est votre problème حيث إن أي تدني في قيمته، لن يربك فقط الأسواق المالية وإنما كل الشركات العالمية مما قد ينبئ بتغيير عالمي كبير للخارطة السياسية والاقتصادية والعسكرية.

*باحث في الاقتصاد

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

ظاهرة تخريب الآثار وإحراق المكتبات في تاريخ المسلمين

هل كان المهدي بن تومرت عميلاً لفرقة الحشاشين؟

اللاعب والملعوب به

الاستعداد لتنظيم الباكالوريا.. محطة تأكيد الكفاءة

أنظروا ماذا فعل الكوفيد بنا!

تابعنا على