الحماية الاجتماعية للعاملين في القطاع الخاص والمهن الحرة

13 يوليو 2020 - 14:43

أثيرت بقوة خلال الأسابيع الماضية قضية التغطية الاجتماعية للعاملين بالقطاع الخاص بمناسبة واقعة وفاة السيدة المُكلفة بالكتابة الخاصة لمحامٍ، هو في الوقت الراهن أحد قادة الحزب الذي يرأس الحكومة ووزير في قطاع وزاري حيوي وذي دلالات كثيرة، حيث تبين أن الراحلة، التي تتوفر على أقدمية 24 سنة من العمل، لم تستفد من التغطية الاجتماعية للعاملين في القطاع الخاص، التي يتولى تدبيرها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ( دخل حيز التطبيق بتاريخ 18 غشت 2005 بموجب القانون 65.00 بمثابة مدونة التغطية الصحية الذي تم إصداره سنة 2002)، وازداد الأمر سخونة واهتماما، مع انكشاف حالة مماثلة تهم مكتب محاماة وزير الشغل الوصي على ذات الصندوق المشهور لدى العموم ب CNSS.

وعوض طرح الإشكالات المتفشية كالسرطان في جسد المقاولات المغربية والعديد من المهن الحرة منذ عقود، تحول الموضوع إلى ساحة حرب وقصف غير عشوائي، وكان لكل طرف نواياه ودفوعاته وتطلعاته وحساباته ومقارباته وأسلحته وأهدافه، لكن جوهر الإشكال له وجوه كثيرة ووجاهة تستدعي شجاعة مواجهته دون حسابات ضيقة أو واسعة، وبِبُعد نظر يستحضر مستقبل البلد وناس البلد وكادحيه والمغلوبين على أمرهم فوق ترابه …. ولكن كما في القول المأثور بالفرنسية Il n’est jamais trop tard

فبعيدا عن راهن الواقعة واستعمالاتها في كل الاتجاهات ولكل الأغراض، مع التملص من خبايا الموضوع وخطورته واتساع مساحات تأثيراته وتفشيه في أوصال القطاع الخاص وفي أبدان المهن الحرة، أعود إلى الموضوع من زاوية التنبيه إلى أن الواقعة لا ينبغي أن تكون بالنسبة لبلادنا وللفئات المعنية ( عاملين وأرباب عمل وللسلطات العمومية المعنية بحكم القانون بالإشراف على حكامة القطاع وتحقيق الأهداف المُحدث من أجلها، كما هي عليه في كافة البلدان التي تلتزم بالقانون وتحترم شعوبها وشغيلتها ومقومات دولة المؤسسات والقانون الذي يسري على الجميع دون تمييز) مجرد حدث عابر، ننساه بسرعة، أو نتناساه حتى تحين أجندات أخرى، ونعود لعاداتنا القديمة، وذلك لآننا لسنا أمام مجرد صفحة تُطوى وننساها لنعود إلى الوراء نكوصا ونتناسى دون أسى، بعد أن زُلزلت الأرض زلزالا وأطلقت النيران في كل الاتجاهات، في قصف هادف أو عشوائي أو انتهازي أو مشبوه. وقد تهرب الكثيرون من الحقيقة المُرة التي رغم مرارتها تشكل فرصة للتوقف بشجاعة أمام الواقعة لقراءة صفحاتها قراءة مُتأنية، عميقة وانتهازها فرصة ذهبية للانكباب على أمراض مزمنة تنهك آلامها وأوباؤها قطاع التغطية الاجتماعية عامة ومنظومة التغطية الاجتماعية بشكل خاص، وتُغيِب الآمال.

بداية يجدر التذكير أنّ الحق في الضمان الاجتماعي هو حق من حقوق الإنسان، حيث أشارت إليه المادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما نصت عليها المادتان 9 و 10 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد تم التأكيد على هذا الأمر مجددا في توصية بشأن الأرضيات الوطنية للحماية الاجتماعية وهي التوصية 202، الصادرة عن منظمة العمل الدولية سنة 2012، وهو “ضرورة اقتصادية واجتماعية لتحقيق التنمية والتقدم، إلى جانب تعزيز الشغل والتشغيل، كما أنه أداة مهمة للقضاء على الفقر وانعدام المساواة والاستبعاد الاجتماعي وانعدام الأمن الاجتماعي ولتعزيز تكافؤ الفرص والمساواة بين الجنسين والقضاء على البطالة” ( يتضمن موقع وزارة الشغل والإدماج الاجتماعي إشارة إلى تفاصيل أكثر في الموضوع) ودعت التوصية البلدان الأعضاء إلى احترام حقوق وكرامة الناس المشمولين بضمانات الضمان الاجتماعي. كما تؤكد التوصية على ضرورة ضمان المشاركة الثلاثية مع المنظمات الممثلة لأصحاب العمل وللعمال، والتشاور مع منظمات أخرى ذات صلة وممثلة للأشخاص المعنيين. وهنا تبرز مسؤوليات وأدوار التنظيمات النقابية وتنظيمات أرباب العمل، وكل ذلك بمساهمة وتحت رقابة ومسؤولية القطاعات الحكومية التي تدبر السياسات العمومية ذات الصلة، دون أن ننسى التضييق أو المنع الذي يعاني منه العمل النقابي في هذه الفضاءات المهنية.

وتضمن الفصل 31 من الدستور التنصيص على ان “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في العلاج والعناية الصحية، والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والتضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة”.

ومما يجدر التذكير به أيضا أنه من المفروض مبدئيا أن تكون منظومة الحماية الاجتماعية للعمال بالمغرب قد تعززت بمصادقة المغرب سنة 2013 على الاتفاقية رقم 102 المتعلقة بالضمان الاجتماعي (المعيار الأدنى)، فهل تم ذلك فعليا؟؟.

كما تجدر الإشارة إلى أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سبق أن أصدر ونشر وعمم على موقعه الإلكتروني تقريرا حول “الحماية الاجتماعية في المغرب: واقع الحال، الحصيلة وسبل تعزيز أنظمة الضمان والمساعدة الاجتماعية”، في إطار ممارسته لاختصاصاته ضمن الإحالة الذاتية رقم 34/ 2018. ومن مضامين التقرير نجد فقرة خاصة بالإطار المعياري الدولي: من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) إلى الأرضية الشاملة للحماية الاجتماعية (2012)، وصولاً إلى أهداف التنمية المستدامة (2015-2030) علاوة على تقييم انخراط المغرب في القانون الدولي الخاص بالضمان الاجتماعي، مع خلاصة عبر عنها العنوان التالي:” التزام محدود بالمعايير الدولية”.

ويسجل التقريـر العالمـي للحمايـة الاجتماعيـة 2017/2019، الـذي أصدرتـه مؤخـرا منظمـة العمـل الدوليـة تحـت عنـوان “حمايـة اجتماعيـة شـاملة لتحقيـق أهـداف التنميـة المسـتدامة”، أن حـق الإنسـان فـي الضمـان الاجتماعـي لـم يصبـح بعـد حقيقـةً واقعـة بالنسـبة للغالبيـة العظمـى مـن سـكان العالـم، حيـث إن45  % فقـط مـن سـكان العالـم يتلقـون فعليـاً إعانـة اجتماعيـة واحـدة علـى الأقـل، بينمـا لا تـزال نسـبة 55 % المتبقيـة ( 4 مليـار شـخص) دون حمايـة.

وبالنسبة لبلادنا، حسب ذات التقرير، فإن “أوجـه القصـور” فـي المنظومـة كبيـرة، ممـا ينطـوي علـى مخاطـر كبـرى ويجعـل أعـداداً كبيـرة مـن الســاكنة لا تســتفيد مــن أي تغطيــة، أو تســتفيد مــن خدمــات محــدودة جــداً. ولا يتــم الاعتــراف إلــى اليــوم بحــوادث الشــغل والأمــراض المهنيــة بوصفهــا مخاطــر تدخــل فــي نطــاق الضمــان الاجتماعــي، كمـا أن تغطيتهـا، التـي تنظمهـا قواعـد القانـون المدنـي، تظـل محـدودة ومقيـدة بإجـراءات معقـدة. ولا تسـتفيد غالبيـة المسـنين مـن الحـق فـي معـاش التقاعـد، الـذي يقـل فـي أكثـر مـن 70 % مـن الحـالات عـن الحـد الأدنـى للأجـور. كمـا أن أزيـد مـن 60 % مـن السـكان النشـطين المغاربـة لا يسـتفيدون مـن أنظمـة التقاعـد القائمـة و30 % يسـتفيدون حاليـا مـن تأميـن إجبـاري علـى المـرض. ولا يسـتفيد العاملـون فـي القطـاع غيـر المنظـم مـن الضمـان الاجتماعـي، سـواء تعلـق الأمـر بمعــاش التقاعــد أو حــوادث الشــغل أو الأمــراض المهنيــة. وحسب نفس التقرير فقد بلغ عـدد المؤمَّـن لهــم الذيــن شــملهم نظــام الضمــان الاجتماعــي الــذي يدبــره الصنــدوق الوطنــي للضمــان الاجتماعــي976 283 .3  مؤمَّـن لهـم فـي سـنة 2016.

وبالنسبة للساكنة المشمولة بالتغطية الاجتماعية أورد تقرير المجلس أن نظــام التقاعــد المغربــي يتســم بضعــف نســبة تغطيتــه للســاكنة النشــيطة: حيــث إن حوالــي 60 % مــن الأشــخاص النشــيطين المشــتغلين، أي 2,6 مليــون نســمة، غيــر مشــمولين بــأي نظــام مــن أنظمـة معاشـات التقاعـد. إذ تقتصـر أنظمـة التقاعـد الإجباريـة علـى موظفـي وأجـراء القطاعيـن العـام والخـاص. مـن جهـة أخـرى، ورغـم المقاربـة المنهجيـة التـي وضعهـا الصنـدوق الوطنـي للضمـان الاجتماعـي مـن أجـل تحسـين فعاليـة مســاطر مراقبــة التصريــح بالأجــراء والتــي مكنــت مــن رفــع نســبة تغطيــة أجــراء القطــاع الخــاص مــن43 % سـنة 2005 إلـى 72 % سـنة 2011 ،ثـم إلـى 82 % سـنة 2016، فـإن عـدداً مهمـا مـن النشـيطين لا يزالـون غيـر مصـرح بهـم لـدى الصنـدوق أو مصـرح بهـم بشـكل ناقـص، كمـا أن النسـاء هـن أقـل اسـتفادة نسـبيا مـن التغطيـة بنظـام التقاعـد،  وذلـك بالنظـر للتراجـع المسـتمر لمعـدل النشـاط فـي صفوفهـن، حيـث سـجل هـذا الأخيـر سـنة 2015 نسـبة أقـل مـن %18 فـي الوســط الحضــري، وتُمثـل النسـاء حاليـا 16 % مــن عــدد المتقاعديـن، ويبلــغ متوســط مبلــغ المعـاش الـذي يتقاضينـه 865 1 درهمـاً، مقابـل 935 1 درهمـاً بالنسـبة للذكـور. وتشـكل النسـاء 97 %مـن مجمـوع المسـتفيدين مـن تحويـل معـاش التقاعـد، بمتوسـط معـاش يبلـغ 839 درهمـاً مقابـل894  درهمـاً للذكـور.( المرجع: تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي المشار إليه أعلاه، ص 72).

ومبدئيا تشمل التغطية الصحية المأجورين وأصحاب المعاشات المسجلين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي برسم خدمات نظام الضمان الاجتماعي، ويشمل التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، بالإضافة إلى الشخص الخاضع لإجبارية التأمين الأساسي عن المرض برسم النظام الذي ينتمي إليه، أفراد عائلته الموجودين تحت كفالته. لكن واقع هذه التغطية الصحية لا يرقى إلى مستوى الحاجيات الفعلية كماً وكيفاً.

 

وعودة إلى الشرارة التي أطلقت السجالات وتبادل القصف حول واقعة عدم التسجيل في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فإن ما يلزم هو التعاطي بجدية مع الموضوع لأنه يرتبط بسياسات عمومية لا تطبق النصوص القانونية المتوفرة، على علاتها، على أحسن وجه ومن ضمنها آليات الرقابة والمساءلة المتوفرة، وبغياب الالتزام بالقانون من لدن المشغلين ( مقاولات القطاع الخاص والمهن الحرة وما في عِدادها) ومن ضمنهم مكاتب المحاماة، المهنة التي لديها آليات التنظيم الذاتي ( هيئات وجمعيات) والموثقين والمهندسين المعماريين والخبراء المحاسبين والصيادلة وشركات الحراسة و”السانديك” أو وكيل اتحاد المُلاك طبقا لمقتضيات نظام الملكية المشتركة….إلخ

كما لا بد من استحضار مهام ومسؤوليات العمل النقابي والتنظيمات النقابية، التي تعرف تراجعات مُقلقة في العقود الأخيرة، وكذا مسؤوليات تنظيمات أرباب العمل وعلى رأسها الاتحاد العام لمقاولات المغرب، وتنظيمات المقاولات الصغرى والمتوسطة وغيرها من الإطارات المهنية العديدة. ومسؤولية وزارة الشغل ثابتة وجهاز التفتيش لديها يتقلص ويتآكل كميا ونوعيا سنة بعد أخرى، مثلما يعاني طب الشغل من نقص كمي مقلق، كما تفتقد آليات رقابة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلى الفعالية والنجاعة. وقد كانت جائحة كورونا مناسبة لتعرية الواقع البئيس لمنظومة ” التغطية الاجتماعية ” ببلادنا، في العديد من القطاعات حتى تلك المُهيكلة وذات الأرباح المؤكدة، دون أن ننسى المهن الحرة المختلفة. حيث عرت جائحة كورونا هشاشة أو انعدام التغطية الاجتماعية، بكل مظاهرها، في العديد من القطاعات المهنية المُنظمة والمُهيكلة، حيث وجد الكثيرون من عاملات وعمال هذه القطاعات عُراة من أي تغطية.

أمام هذا الواقع المرير لابد من إطلاق حـوار اجتماعـي وطنـي حقيقي، شجاع، شفاف وجريء وبدون خطوط حمراء أو صفراء تنخرط فيه كل الأطراف المشار إليها آنفا ( مُشغلين، أرباب عمل، العمال والمستخدمون، والنقابات والإطارات التنظيمية والسلطات الحكومية المعنية والأكاديميون…..) يُتوج بإعداد وتطبيق خطط وبرامج لحماية اجتماعية فعلية شاملة وغير منقوصة وبدون أي تمييز ولا تتخفى خلف أي مبررات، مع الحرص على تنظيـم حمـلات تواصليـة عموميـة حـول الحـق فـي الحمايـة الاجتماعيـة وشـروط وكيفيـات الولـوج إلــى خدمــات مختلــف أنظمــتها، مــع بيــان ســبل التظلــم المتاحــة للمؤمَّــن لهــم ولـذوي حقوقهـم. وبالمناسبة على لجنة النموذج التنموي الجديد أن تلتقط الإشارة وتخصص حيزا مناسبا للتغطية الاجتماعية والصحية لأنها أحد أسباب فشل وإعاقات منظومة التنمية منذ عقود.

 

 

 

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

نقوش ومقابر الطاوس قرب الرشيدية.. تراث إنساني عمره آلاف السنين يستغيث (صور وفيديو)

نحو حكومة وحدة وطنية برئاسة ولي العهد

“قلة اتْرابي” وزحفها بالمجتمع إلى “التهامجيّت”

تعيينات حاملي شهادة العالمية عدولا بين النص القانوني والخطأ الفادح لوزارة العدل

توقعات منظمة الصحة العالمية والاحتمال المرعب لزحف الوباء‎

تابعنا على