آيا صوفيا من متحف إلى مسجد.. نتفهم ونختلف !

15 يوليو 2020 - 14:39

أ –  ليس من باب نظم قصائد المدح و التبجيل القول إن تركيا تعد بلدا استثنائيا في صحراء عربية إسلامية قاحلة، فهي الدولة الإسلامية الأهم في سياق جوار “الوطن العربي” بالغ الترشذم و الانحطاط و العجز. لقد استطاعت الجمهورية التركية أن تنجز انعطافة مفصلية في تاريخها الحديث عسكريا و اقتصاديا و ثقافيا و علميا و اجتماعيا .. و أضحت معادلة يحسب لها ألف حساب في أبجديات المعطى السياسي الأممي، و أخيرا و ليس آخرا تمكن الأتراك من القطع مع المسلكيات السياسية الاستبدادية البائدة، وأسسوا لنسق سياسي ديمقراطي بمواصفات كونية، حيث التعددية و الاختلاف و الفصل بين السلطات و استقلال القضاء و الإعلام، مما مكنهم من إحراز مراتب نهضوية متقدمة عالميا، بيد أن هكذا استحقاقات تنموية شاملة بالغة الجودة لن تمنعنا من النظر إلى ما نراه في حاجة إلى مراجعة حصيفة و مقاربة سياسية راجحة، تأخذ بعين الاعتبار الحيثيات الجيوستراتيجية “للتدافع” الدولي المشروع.

ب –  سبب نزول هذه الكلام القرار الذي اتخذه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بإعادة متحف آيا صوفيا الشهير، بحكم من المحكمة الإدارية العليا إلى مسجد كما كان عليه الأمر طيلة أكثر من 480 سنة ! مبدئيا لا يحق لأي كان إعطاء دروس “أخلاقوية” للساسة الأتراك في ميدان التسامح الديني و الانفتاح الحضاري و التعايش الثقافي، يكفي الإشارة إلى أن تركيا تضم قرابة 400 كنيس و كنيسة، و بالتالي فإن حرية المعتقد و التعبد و الحفاظ على الحق في التدين و عدمه مضمون. لكن إلى أي حد يمكن القول بأن هكذا قرار في سياق إقليمي عدائي كان ضروريا؟ معلوم أن الوضع السياسي المحيط بتركيا ليس هينا: احتكاك دموي في خطوط التماس مع سوريا، و صراع دولي على خيرات ليبيا الشقيقة، موقف غير ودي من أغلب دول المشرق العربي إزاء استقلال القرار السياسي التركي، فضلا عن الهجوم الإعلامي الروسي و الغربي الشرس ( الفرنسي على وجه الخصوص )، بسبب الدور المتقدم و السيادي للحكومة التركية !

ج –  لهذه العوامل و غيرها نرى أن القرار التركي رغم طابعه السيادي، فهو في المحصلة تصرف في الممتلكات و المعالم الحضارية الذاتية بالشكل الملائم لتطلعات الشعب، كان من الأولى تأخيره أو تأجيله حتى لا يتحجج “دعاة” الدفاع عن التسامح الديني و ما أكثرهم، بحنين العودة إلى منجزات الإمبراطورية العثمانية، و الرغبة في “عثمنة” التراث العالمي. لسنا معنيين بالانتقادات الصادرة عن المؤسسات السياسية و الإعلامية  الرسمية العربية ضد هذا القرار، لأن هذه الأخيرة بسبب افتقارها للأسس الديمقراطية، غير مؤهلة جملة و تفصيلا للتعليق حول قضايا و مواضيع بالقطع تتجاوزها، لكننا نعبر عن قلقنا من أي مكروه قد يصيب الدولة التركية الشقيقة، التي نتمنى لها مزيدا من الرقي و التقدم و الازدهار، و نرجو لها متسعا من النهضة التنموية التي انطلقت أساسا من توليفة بالغة الذكاء، و المتجسدة في المزج الرفيع بين جوهر الدين الإسلامي العظيم و بين مستلزمات الحداثة و الديمقراطية و الأعراف و المواثيق الدولية السامية !

 باحث مغربي في قضايا الفكر و السياسة

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

هل حقا السويد وأوروبا عموما تسجل أعلى نسب التحرش والاغتصاب؟

العالم من سباق الفضاء إلى سباق اللقاح

فوق عش العقل

المغرب ويوم المهاجر

باحث مغربي

فقهاء المغرب .. والتقدم إلى الوراء

تابعنا على