عيد الأضحى .. في حضرة الكورونا

عيد الأضحى .. في حضرة الكورونا

03 أغسطس 2020 - 14:39

وأنا غارقة في أفكاري التي تتجاذبني هنا وهناك، بين البحث عن فرحة عيد افتقدناها منذ فترة ليست بالقصيرة، وبين استحضار الأحداث الجارية الاستثنائية جدا وما أضفته من بؤس على عيدنا هذا، قررت أن أصوغ هذه الأسطر متقاسمة بذلك ما جال في خاطري وإياكم. ولأصل إلى موضوع العيد وكورونا ارتأيت تأثيث فضاء للنقاش ينطلق بفرحة العيد التي ما دأبت مخلصة لنا إخلاصها السابق، ثم سأحاول الإشارة إلى ظهور كورونا وكيفية تعاملنا معه، وبعض الأشياء التي لحظت ظهورها أو تغيرها في ظل ظهور فيروس "كوفيد 19"، لأستقر أخيرا في جمع يطال الموضوعين سابقي الذكر.

العيد .. وفرحة مضت

إن حنيننا المتواصل إلى أيام خلت، كانت فرحتنا بالعيد تنطلق قبل بلوغها بأيام عديدات قد لا أرجئها إلى نائبات الزمان أكثر منه إلى تقدمنا في السن، فمع كل تقدم في هذا الأخير تتغير الأولويات وتتغير المسؤوليات وتتغير أيضا أسباب ودواعي الفرح والقرح، فما كان يفرحنا ونحن في الثالثة من عمرنا ليس ذاته ما أفرحنا في العاشرة، ولا هو الذي يفرحنا في العشرينيات من عمرنا، وحتما لن يظل نفسه يفرحنا في القادمات من الأيام وعند توالي السنوات، وهو ما يلاحظ حتى في ظل ظروف صعبة التحمل، إذ نجد الأطفال غير مكترثين بكل ما جرى ويجري، بل وإن خبر دخول العشر الأوائل من ذي الحجة كان وحده مدعاة حقيقية لاقتحام الفرح نفوسهم، أما مشاهدتهم للأضحية المقتناة فقد ضاعفت ذلكم السرور والابتهاج، ثم إن يوم العيد كان يوما استثنائيا جدا وجدا بالنسبة إليهم، حيث وصل بهم الحال إلى ترديد أغاني "مبروك علينا هادي البداية ومازال مازال" وثغورهم مفتوحة إلى آخرها فرحة وإنشادا وهو يقفزون، إن هذا المشهد لوحده كفيل بأن يؤكد الفرضية السابقة، التي تقضي بأن التقدم في العمر هو وحده الذي ينقص فرحتنا، لا مجريات الأحوال، ففي عز الكورونا، وفي عز المشاكل التي تتسرب إلى الأسر، الأطفال فرحون بالعيد، والكبار يرددون لماذا لم نعد نحس بطعمه؟ والجواب بسيط كل البساطة: نعم إنه العمر.

نحن والكورونا!

أشياء عديدات تلك التي لم تعد هي هي، اكتست طابعا جديدا في ظل ظهور وباء عالمي غزا الشرق والغرب، ولم يفته أن يطال الشمال والجنوب، فيروس ظهر في بلد بعيد كل البعد عن مغربنا، فردد الجميع لا لن يصل إلينا، وبأنانية جامحة شرع الجل يقول "وما شأننا ببلاد الصين، دعهم وما حل بهم"، وقال آخرون "هذا عقاب رباني، لقد ابتلاهم الله بهذا الوباء من أجل ما اقترفوه من خطايا وذنوب امتد جماحها إلى المسلمين"، وهكذا ظل الجميع يحس بأنه وأهله وبلده في منطقة الأمان حيث لا وباء يهدده ولا احتمال أصلا بحضور ذلكم الوباء بينه وذويه، لكن وما لم يكن بالحسبان هو أن الفيروس سريع العدوى، خفي، لا تظهر أعراضه إلا بعد عدة أيام، ومع اقتراب الفيروس من البلاد، بدأت بعض المخاوف تظهر، وصار المثقف والأمي يفهم في الطب والسياسة وفي كل المجالات، وانطلقت حملة تنديد واسعة بين صفوف المغاربة، تطالب بعدم السماح للقادمين من الدول الموبوءة بالدخول إلى أرض الوطن مخافة إدخالهم للفيروس، وهو المحظور الذي حدث، ولم يستطع أحد كبحه.

بعد كل ذلك، الخوف بات سيد الموقف، تقريبا جل المواطنين شرعوا في أخذ حيطتهم وحذرهم من الفيروس، النفسيات اهتز استقرارها، وصارت السادسة مساء موعدا مهما للترقب، واكتشاف جديد الحالة الوبائية بالبلاد، ترقب ينتهي حينا بأمل وأحيانا أخرى بألم وجرعة خوف تزداد كلما ازدادت الإصابات والوفيات. أما عن العادات الجديدة فقد صارت النظافة عادة تمارس بين اللحظة والأخرى، وصارت التحايا تلقى من بعيد وبدأ تبادل العناق والقبل يندثر شيئا فشيئا خاصة عند شريحة من الناس ممن تعاملوا بجدية مع الموقف الذي تعيشه بلدان العالم عامة والمغرب إذا ما شئنا التخصيص.

هذا وتعودت هذه الشريحة على المكوث بالبيت لدرجة أن البعض وصل به الالتزام إلى الاستقرار بمنزله طيلة أشهر ثلاثة، معبرين عن احترامهم لكل التعليمات الموصى بها من أجل تفادي الإصابة بالفيروس والحد من انتشاره وتفاقم الوضع الوبائي بالمملكة. ثم إن هؤلاء، تعلموا في تلكم الفترة أن يصفوا إلى أنفسهم ويشاركوها خوالجها، مستغلين فترة الحجر الصحي تارة في تعلم لغة وتارة أخرى في مطالعة كتاب أو رواية وتارات أخرى في أنشطة يدوية تبعدهم عن التوتر والملل وتخرج إبداعاتهم الدفينة إلى أرض الواقع...

هذا من جهة، أما من جهة ثانية، فمن المغاربة من لم يؤمن أبدا بوجود فيروس يهدد حياته وحياة محيطه، هؤلاء التجؤوا مجددا إلى نظرية المؤامرة، مؤكدين أن الفيروس مجرد خدعة لا غير، ترمي إلى تحكم القوى العظمى في العالم بالصغرى، بل وتحكم وسيطرة الحكام على الشعوب، وسلبهم حريتهم وإضفاء جو من الخوف والهلع على أنفسهم، إلى أن يصل اللقاح المنشود فيروجونه ويبيعونهم إياه بأغلى الأثمان ويحملون المواطن ما لا طاقة له به... هذه الشريحة بالضبط هي التي اختارت ألا تلتزم بالحجر الصحي ولا بقواعد الوقاية المنصوص عليها عالميا، منهم من لم يرتد الكمامة أبدا، ومنهم من ارتداها عند حضور السلطات وأزاحها حال الابتعاد عنهم أو ابتعادهم عنه، ومنهم من وضعها في عنقه وآخرون وضعوها في جباههم، بينما وضعتها فئة أخرى في جيوبها ! ويجوز لنا القول أن هذه الشريحة العريضة من المجتمع هي التي أسهمت في تردي الأوضاع، وأوصلتها إلى ما هي عليه اليوم.

ونحن نستحضر الشريحتين سابقتي الذكر، دغدغت ذهني فكرة جديدة، تخص شريحة لا هي من أولئك ولا من هؤلاء، هي شريحة لا تدري في أي صف تكون، ولأي جهة تنتسب، تسمع آراء الشريحة الأولى فتقتنع وتشرع في توخي الحيطة والحذر، وحالما تصادف الشريحة الثانية تجد نفسها منساقة إلى أفكارها، فتتصارع الأفكار في ذهنها وتدخل في متاهة يصعب عليها الخروج منها، فلا هي ملتزمة ولا هي متراخية، هي بين بين.

هذا وقد تجد في المنزل الواحد الشرائح المذكورة مجتمعة كلها مع بعض، أي أن تجد أفرادا محتاطين مؤمنين بوجود الفيروس، وأفرادا أو فردا آخرا لا يؤمن بوجوده ولا يحتاط، وفردا بينهما واقع في اللاأدري، لا يؤمن بوجود الفيروس ولا حتى يكفر بوجوده!

كورونا .. أجواء استثنائية أثثت عيد الأضحى

في ظل انتشار الفيروس في البلاد وإلغاء العديد من الاحتفالات والعادات والممارسات، تسربت فرضيات تقضي بإلغاء عيد الأضحى لهذه السنة، إذ أن الكثير من الناس جزموا أن العيد لن تجرى طقوسه وسيتم الإعلان عن خبر إلغائه في الوقت المناسب لذلك، وعن سبب هذه المزاعم قال هؤلاء أن التجمع الذي يحدث في الأسواق وحده سبب كفيل بإخراج قرار إلغاء العيد إلى النور، أما إن أضيف إلى ذلك تراجع مدخول بعض الأسر وانعدام مداخيل أخرى فستصبح هذه الأسباب مجتمعة كافية لأن يقتنع أي شخص بذلكم القرار المزعوم أو لنقل المفترض، غير أن هذا الذي لم يحدث، بعد أن نفى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات "عزيز أخنوش" هذه الشائعات المروجة، مؤكدا أن الاستعداد للعيد جار، والظروف المؤثثة لتلكم العملية تنحو منحى يليق بهذا الحدث.

ومع دخول العشر الأوائل من ذي الحجة التي تشهد فتح الأسواق وانطلاق بيع الأضاحي، شهدت المواشي انخفاضا ملحوظا في الأثمنة، حيث أكد جل من اقتنى أضحيته في الأيام الأولى من الافتتاح أن الأثمنة شهدت تراجعا كبيرا مقارنة بالسنوات السابقة، ذلك أن العرض أكثر من الطلب، فكثيرون هم الذين اضطروا هذه السنة إلى عدم الاحتفال بعيد الأضحى لتأزم وضعهم المعيشي. لكن هذا الانخفاض لم يرض الجميع، حيث اشتكى بائعو المواشي (المربون والكسابة) من تضررهم من هذا الانخفاض، ذلك أن الجفاف والكورونا أسهما في غلاء العلف وبالتالي كان لزاما عليهم رفع الثمن، لكن هذا ما لم يكن في وسعهم.

الأثمان ارتفعت بشكل سريع حال الإعلان عن قرار فجائي يقضي بإغلاق 8 مدن تعد مدنا رئيسية ذات كثافة سكانية كبيرة، هذا الإغلاق الذي شهدته هذه المدن تسبب في كثرة الطلب وقلة العرض، الشيء الذي رفع أثمنة الأضاحي بشكل كبير، وافتعل فوضى ضخمة بأحد أسواق مدينة الدار البيضاء، حيث شهد هذا السوق تراشقا بالحجارة طال بائعي الأغنام، وفي ظل الغفلة والتوتر الحاصل عند التراشق.. تمت سرقات عديدات وضاعت حقوق الباعة بالسوق وسلبت منهم مواشيهم دون أدنى حق.

أما بالعودة إلى قرار الإغلاق فقد تسبب في وقوع حوادث كثيرة، وفوضى عارمة بالطرقات المؤدية من وإلى المدن الثماني المغلقة، قرار صدر قرابة السابعة مساء وطبق عند منتصف الليل، مما أسهم في نتوء غضب عارم عبر عنه المواطنون كل حسب طريقته، إما عبر الفيديوهات المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، وإما عبر الدعاء على المسؤولين، وإما عبر الانطلاق في حملة تطالب باستقالة المعنيين بالأمر مصدري القرار. بينما عبر آخرون عن غضبهم وحيرتهم وقلة حيلتهم من خلال كثرة التزمير في الطريق والسرعة المفرطة والمشاجرة ابتغاء الوصول أولا إلى الوجهة المبتغاة لقضاء العيد رفقة العائلة.

أما وسائل النقل، فقد استغلت حاجة الناس وقلة حيلتهم فأضافت أثمنة فوق الأثمنة الاعتيادية، بل وازداد أحيانا ثمن الرحلة من مدينة إلى أخرى نصف الثمن المعتاد.

في حين، اضطر من لم يجد مسلكا ليسلك به إلى مدينته أن يقضي العيد لوحده، عيد استثنائي بكل المقاييس، حيث لا أحد بجانبه يشاركه فرحة العيد، ويتآنس وإياه في هكذا مناسبة لن تعود إلى بعد سنة من الآن، غير أن الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة فيسبوك، نشروا منشورات يدعون من خلالها هؤلاء الأشخاص الذين يعيشون منفردين بعيدين عن أهلهم أن يحلوا ضيوفا على بيوتهم، وهي بادرة كان لنا أن نصفها بالجميلة لولا الوباء المنتشر الذي يقضي بعدم التجمع.

* صحافية مجازة من شعبة علوم الإعلام والتواصل وباحثة في ماستر تحليل الخطاب

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

رسالة لوزير الشباب والرياضة: “أنقذوا الرياضيين المغاربة”

كنتُ هناك

تأملات طالب جامعي

تابعنا على